الأربعاء , 10 يونيو 2026

محاضرة الشيخ حسن العالي || الليلة الثانية من شهر المحرم || بعنوان : أساليب نشر الحقائق الدينية .

محاضرة الشيخ حسن العالي
|| الليلة الثانية من شهر المحرم ||
بعنوان : أساليب نشر الحقائق الدينية .

🔶 رؤيةٌ قرآنيةٌ في أساليب التصحيح

قال تعالى : ” ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ” .
🔺 هل يعتمدُ الإسلام في الدعوة على الأساليب الليِّنة و الهادئة ؟ أم يعتمدُ على الأساليب الخشنة و الشديدة ؟
و ما هو الأسلوب الأولي في الدعوة و ما هو الأسلوب الطارئ ؟ و إذا كان الإسلام يعتمد الأسلوبين ، فأيهما يقع موقع الأولي و أيهما يقع الموقع الثاني ؟

في هذا السؤال الخطير لا بدَّ أن نرجع إلى الرؤية القرآنية ، نلتقي بآية تعتبر من الآيات الواضحة و المُحكمة في بحث الأسلوب الأولي في الدعوة و طرح الدين و الأفكار .
استفادات متعددة تُقتنص من الآية :

🔶الاستفادة الأولى : تفاوت طبائع البشر .

🔹 أهل المهارات و الفنون من علماء الغرب استطاعوا أن يبيِّنوا اختلاف الطبائع في البشر و أن البشر في مجال الانفعال لا يُمكِن أن تدخل إليهم من بابٍ واحد . فبعض الأشخاص يُدخل إليه من الباب العقلي الاستدلالي ، و بعض الأشخاص طبيعته الانفعال بالمشاهدات و المحسوسات ، و بعض الأشخاص باب الانفعال فيه المسموعات .
🔹 القرآن الكريم شرح ذلك بنحوٍٍ أعمق ، و الآية موضع البحث من أوضح الآيات في الدلالة على ذلك ؛ لأن الله أمر نبيَّه (ص) أن يُخاطب البشر في مجال الدعوة بأساليب متنوعة مختلفة فمرة دعا للكلام بالحكمة ، و مرة بالموعظة ، و مرة بالمجادلة . و هذا كشفٌ عن اختلاف عن طبائع الإنسان .
💡 الكثير من شبابنا يغتر بالابتكارات الغربية لجهله بعلوم القرآن و الحديث و تاريخ المعصومين .

🔶 الاستفادة الثانية : المنع عن المواجهة العدوانية

المواجهة في باب الاعتقادات و الأديان تنقسم إلى :
🔹 المواجهة العسكرية : شُرِّع النوع الدفاعي و ليس المواجهة الابتدائية ، إذا بادر أهل الملل و النحل بذلك ” و قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ” .
🔹 المواجهة الفكرية : واجبة و جائزة بكلا القسمين ، مواجهة ابتدائية و مواجهة دفاعية .

💡 المواجهة الفكرية الابتدائية يعني أن تبتدئ بالدعوة و التصحيح و نشر العقائد أما المواجهة الفكرية الدفاعية فتعني التصدي لرد الشُبهات . و الآية موضح البحث تتكلم عن المواجهة الفكرية و ذكرت ثلاثة أساليب تصنَّف في المواجهة الفكرية و الأسلوب الأول في الدعوة هو الأسلوب اللِّين .

🔶 الاستفادة الثالثة : تعريف بالحكمة و الموعظة و الجدل .
🔹عرَّف علماء التفسير الحكمة بأنها تقديم المعلومات البرهانية المطابقة للواقع للطرف الآخر .

💡 عرّف الطباطبائي الحكمة بقوله : الحكمة هي الحجة التي تُفصِح عن الحقيقة بلا وهنٍ و لا ضعفٍ . يعني المجاهرة بالحقيقة التي نعتقدها من غير مساومة على جزء من أجزاء الحقيقة مع اتباع الأسلوب الهادئ .

🔹لماذا اختار القرآن كلمة الحكمة و ليس كلمة العلم ؟
لأن الحكمة أوسع من العلم ، فالعلم هو طرح العلم كيفما كن و كيفما اتفق ، أما الحكمة تنطوي على علم مع زيادة ، يعني تطرح العلم و الحقيقة الكاملة لكن في آلية هادئة حكيمة لا بأي أسلوب كان .

🌿 اعتمد أئمتنا عليهم السلام هذا الأسلوب اعتمادًا غالبًا ، و قد أبدعوا في طرح الحقيقة بالحكمة ، افتح كتاب ” الاحتجاج ” للطبرسي لتجد حوارات الأئمة العلمية كيف كان يسودها أسلوب الحكمة .

🔶 قلة التعقل مرضٌ حضاري

🔹 الضحالة الفكرية تعني أن الكثير من الناس قد تبنى مُتبنيات قائمة على قاعدة هشة أشبه ببهرجة الصحافي ، لا على قاعدة الحكمة و البرهان ، و الكثير من الناس خاضوا في الدين و في تفسير القرآن و في العقائد على أساسٍ هشٍ و شَرعوا لأنفسهم باب القول في الدين لأنه استطاع أن يُصيغ شيء يُشابه البُرهان و من يدخل تخصص غيره يتبنى مُتبَنيات تفتقد التعقل .
🛑 و مما زاد الأمر سوءًا أن بعض العلماء يجاملون هؤلاء عندما يدخلون في باب الدين مع أن العالم أمره الله بأن يدعوا بالحكمة ، يعني أن يدعوا بمصارحة الحقيقة .
💡 إذا افتقد الإنسان البرهان و اعتمد على الضحالة في تقييم الأمور ، سيمر على الحقائق و الأدلة و لا يفهمها .

🔶 علمٌ إعجازيٌّ من فيض المعصوم

🌿 أكل الإمام الصادق (ع) يومًا طعامًا مع أحد أكابر علماء المذاهب فلما انتهى الإمام من الأكل قال : الحمدلله إنَّ هذا منك و من رسولك . فقال ذلك العالم : يا جعفر ، أتُشرِك بالله ؟ فقال له الإمام : ويلك ! أما قرأت قوله تعالى ” وَ مَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ” ؟ قال : يا ابن رسول الله كأني لم أقرأها من قبل و لا سمعتها من كتاب الله إلا في هذا اليوم .
قال له الإمام (ع): بل قرأتها و سمعتها لكن أنت و أشباهك من قال فيهم الله ” أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ” .
يعني أنت و أشباهك تمرون على دليل الحقيقة لكن لا تعتبره دليلا فتتهم الآخرين بالخرافة .

🛑 الضحالةُ في الفكر و السطحية مرضٌ خطيرٌ ، حلُّها أن تعتمد على أهل التخصص و تسأل كلَّ متخصص في ما هو متخصص فيه ، و إلا ستقع في إشكالات تعتقد أنها اعتقادات قوية لكنها على أرض هشة .

🔷 الأسلوب الثاني : الموعظة الحسنة

🔹 الحكمة لم يرد فيها وصف ، لكن هنا ورد وصف (الحسنة) ، لذلك فهِم العلماء أن الموعظة منها ما هو حسن و منها ما هو غير حسن .

🔹الموعظة هو ما يلين به القلب ، و تلين به الروح ، و إن كانت لا تعبر عن الحقيقة الكاملة فإن أدَّت أثرًا إيجابيًا كانت موعظةً حسنةً ، و أما إذا افتقدت أسلوب الحكمة تكون موعظةً غير حسنة ، و لا توصِل شيئًا إيجابيًا لقلب الإنسان .

🔷 الأسلوب الثالث : الجدال

🔹فهِم أهل التفسير لما قيَّده الله ” بالتي هي أحسن ” بأن الجدال منه ما هو غير حسن ، و منه ما هو حسن ، منه ما هو أحسن .

🔹 يكون حسن إذا كنت تجادل في الدين و تُسكِت خصمك و تُفحِمه بحيث لا تدع له مجالًا أن يتكلم في مذهبه .
🔹 إذا كان الجدال مع الآخرين قائم على مقدمات كاذبة فهذا جدال غير حسن ، و إذا كانت المقدمات صادقة لكن بأسلوب خشن يكون حسن ، أما الجدال الأحسن فهو أن تأتي بمقدمات غير كاذبة ثم تصل إلى عقول الاخرين من خلال الأسلوب الهادئ .

🛑 يأتي بعض شبابنا و يقول لماذا نستعيد تاريخ الرموز ؟ لماذا نقرأ تاريخ علي أو الحسن أو الحسين ؟

💡هذا الرأي وليد جهل ، اكتشف أهل العلم حتى من غير الشيعة و من غير المسلمين عندما قرؤوا سيرة أهل البيت علومًا إعجازية ، فن التحاور و الجدال و النقاش و الاختلاف السياسي قرؤوه من سيرة الأئمة .

🌿 قد تقرأ الحسين مصيبة ، و لكن حتى في فقرات المصيبة توجد إعجازات و علوم أنت تجهلها ، كل حركة الحسين (ع)إعجازٌ في العلم و السيرة و السلوك .

شاهد أيضاً

الشيخ رجائي البارباري – التغطية المصورة لذكرى رحيل الرسول الأعظم (ص) يوم 28 صفر 1441 هـ