محاضرة الشيخ حسن العالي
|| الليلة الثالثة من شهر المحرم ||
بعنوان : نظرية اجتهاد المعصوم
🔶 مساحة التنظير في المذهب
قال تعالى : ” وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ﴿78﴾ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ” .
لا شكَّ أن الإشكالات و الشُبهات التي تتوارد على المسائل الدينية فرعيةً كانت أو أصلية تُؤرِق الدعاة إلى الله و بالأخص إذا دُعمِت تلك الشبهات بدليل من القرآن أو الرواية .
🔷 قد يقول قائل : لماذا لا نفتح أبواب الآراء و الاجتهادات في الدين بلا حدود ؟ لماذا لا نسمح لكل العلماء و المثقفين أن يُنظِّروا في الدين ؟ أليس كثرة التنظيرات سبيلٌ لتجلي الحقيقة ؟
🔺الذي يريده الآن بعض المتأثرين بالمتنورين على صعيد التشيع هو أنه لا يوجد محرمات و لا يوجد ممنوعات . علينا أن نفكر في كل شيء ، و أن ننتقد كل مسألة ، و أن نهدم أي عقيدة .
🔺هل التفكير في كل شيء بلا حدود تنظير أو هو هدمٌ للمذهب ؟
💡لو قيل لنا نظِّروا في ترتيب هذا المكان ، قد يقترح أحد أن تكون الإنارة بشكل و أحد بشكل آخر و هكذا ، و هذا يُسمى تنظير داخل المكان ، لكن لو جاء شخص و قال أريد أن أهدم الأعمدة فهو يريد هدم المكان ، فالتنظير و إبداء الرأي يختلف عن التوغل في نقد المسائل الأساسية لهدم المذهب .
💡 من حقك في مسألة عصمة الأئمة أن تنظِّر ، تقول لهم علم لدني ثابت ببهيمة الدليل ، لكن تناقش هل علمهم اللدني يشمل جانب الغيب ؟
✖لكن هناك من يأتي و يقول أن علم الأئمة ليس لدني بل هو علم عادي و هذا هدم للمذهب .
🔶 نظرية اجتهاد الأنبياء و الأئمة
🔺 القول باجتهاد الأنبياء و الأئمة – يعني يقرؤون الأدلة و يُعمِلون الظنون لأجل استنباط الحكم – تنظيرٌ و رأيٌ داخل المذهب الشيعي أو الذي يُثبت اجتهادهم خرج عن المذهب ؟
🔹 جاء علماء السنة من المفسِّرين و حاولوا أن يطرحوا آية البحث دليلًا على اجتهاد الأنبياء ، لأن الآية تُخبِر عن صدور فتويين ، فتوى من داوود و كانت خاطئة ، و فتوى من سليمان و كانت مُصيبة .
🔹 في رواياتنا عن الحلبي سأل أبا الحسن (ع)عن الآية قال : حكمَ داوود برقاب الغنم لأنها غنم لشخص خربت زرع شخص آخر ، أما سليمان فكان حكمه أن أصواف و ألبان الغنم لمدة عام تكون ملكًا لصاحب الحق .
🔺 السؤال : هل يجتهد الأنبياء ؟ و إذا جاء شيعي بحجة التطوير و قال أن الأئمة يجتهدون كالمجتهدين هل يريد أن يطوِّر أو يطعن في الدين ؟
🔹 العلامة صاحب ” البِحار” قال : لقد قامت الأدلة العقلية على عدم جواز اجتهاد الأنبياء و إنما يقولون في المسائل بالوحي .
🔹 الجوادي في كتابه ” خمس رسائل ” : الفكر و الاجتهاد لا يُنسب للأنبياء في أحكام الله .
💡 كلما ترى دعوة جديدة صادرة و يُخيَّل لك قائلها أنه أتى بشيء جديد ، إذا سألت أهل العلم سيطلِعونك على مصدر تلك الشبهة أو العقيدة الجديدة فهم لا يأتون بجديد بل يسرقون ما عند غيرهم لأنهم تأثروا بالآخر .
🔷 هذه المسألة طرحها أهل السنة في كتب أصول علم الفقه و لا وجود لها في كتب أصول الشيعة
🔹 الخضري في كتابه ” علم أصول الفقه ” يقول : الرأي المختار عندي وقوع الاجتهاد من النبي في شؤون الحرب و في شؤون الدين ، و يجوز عليه الخطأ في غير شؤون التبليغ و لكن الله يسدده بعد خطئه في اجتهاده .
🔹 الفخر الرازي في كتابه ” المحصول ” قال : لقد احتجَّ من نسَب الاجتهاد للأنبياء بأدلة منها أن الاجتهاد أشق تكلفة و جهدًا من النص ، فلا بدَّ أن يُباح الاجتهاد للنبي كما أُبيح للناس .
🔶 معالجات إشكاليات
🛑 إذا كان النبي يجتهد فماذا نفعل في قوله تعالى “و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى ”
الذي قال بالاجتهاد قال ليس معنى الآية أن الوحي مستمر في حياة النبي في كل صغيرة و كبيرة ، هناك مساحة للوحي و مساحة للاجتهاد . لكن نقول له أين الدليل ؟ فيقول :
🔺 الدليل الأول : لو قلنا أن النبي يوحى إليه في كل شيء فهذا معناه أنه عندما يقرِّب شخصًا ليكون من جلسائه فهذا وحي من الله ، و عندما يتزوج زوجة فهذا وحي من الله ، و إذا كانت هذه الأمور وحي من الله فلا خصوصية لزواج فاطمة من علي لأنه زوجها بوحي من الله .
💡الجواب : نلتزم أن كل شيء وحي ، زواج من أي شخصية وحي ، زواج فاطمة من علي وحي ، إلا أنه ليس كل من نزل فيه الوحي فهو ممدوح و مؤمن ، النبي يوحى إليه بتقريب شخصية حتى يأمن شرها ، يأمره بالزواج من امرأة لحكمة ما ، لكن وحيه لزواج علي من فاطمة ففي نفس الوحي ورد المدح ، فقيل أن زواجها في الأرض صدى و انعكاس لزواجهما النوري في عالم السماء .
🔺الدليل الثاني : الدليل الذي يدل على أن الأئمة يجتهدون الروايات الموجودة في الكافي
المعلى يقول لأحد الأئمة : يجيئني الحديث من آخركم بشيء و يجيئني من أولكم بشيء آخر ، فماذا أأخذ ؟ . قال له الإمام : خُذ بالأحدث . فهذا دليل على أن الأئمة يجتهدون و كل إمام يجدِّد في الدين .
💡 الجواب : يختلف الأئمة في الآراء لعوامل :
– يصدر الحكم من إمام على أنه حكم واقعي و يصدر أحيانًا من إمام آخر على أنه حكم تقية ، فالإمام شخَّص المصلحة أن يخفي الحكم الواقعي و يتكلم بالتقية .
💡 قد يقول إمام سابق في موضوع شيء و يقول إمام لاحق شيء آخر ، لاختلاف البيئات فقد يطرأ شرط جديد ، تغيرت الشرائط ” ظاهرية كانت أو خفية ” فحكم الثاني بخلاف الأول ، فاختلاف الأئمة ليس معناه أنهم يجتهدون لكن هناك أسباب أخرى و لو اتحدت الشرائط و الظروف لما اختلفت الأحكام .
🔶 معنى استمرارية الوحي
🔺 الدليل الثالث : إذا نفينا الاجتهاد عن النبي و كان كل شيء يقوله بوحي هذا يعني أن النبي لا شخصية له و لا دور له بل دوره سلبي في التبليغ و الرسالة .
💡 الجواب : الذي قال باجتهاد النبي و الأئمة انفعل بتصورات خاطئة عن الوحي ففهم معنى استمرارية الوحي أن النبي لا شخصية له . هل الوحي يعني أن النبي يستيقظ صباحًا و يجد ورقة يُكتَب فيها ما يفعل ؟ هل الوحي كلمات جامدة تُلقى على سمع النبي ؟
🔶 قرائن قرآنية تنفي اجتهاد الأنبياء
💡هؤلاء لو قرؤوا حقيقة الوحي من القرآن لما قالوا بجواز الاجتهاد ، عُرِّف الوحي في قوله تعالى ” و كذلك أوحينا اليك روحًا من أمرنا ” إذًا الوحي و القرآن و العلم ليس كلمات جامدة يسمعها النبي و إنما هي روح حية شاعرة تودع في ذات النبي ، مثل ما أودع الله فينا العقل كخادم من خوادمنا ، أودع حقيقة الوحي في النبي فصارت مَلكة حية معه .
🔺 هل يستطيع كل أحد أن يتلقى الحقيقة الوحيانة ؟
🔹قال القرآن ” إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا ” ، القول الثقيل يحتاج إلى مؤهلات في ذات النبي ، عبودية كاملة و فناء مطلق حتى يكون قادرًا أن يمتلك حقيقة الوحي .
🔹 يقول بعض العلماء : و هذه الروح ببركاتها كان لأهل البيت تلك المقامات العالية و الرفيعة ، ألست تقول في زيارة الحسين ” السلام عليك يا وارث فاطمة ” هل ورث كتابًا منقوشًا ؟ أم بيتًا ؟ بل هو وارث الروح الأمري و حقيقة الوحي و حقيقة القرآن الكريم .
🌿 كانت ثورة الحسين مسدَّدة مُؤيدة بالوحي في كل خطوة و قد توَّج ثورته و خروجه بالقرآن ، ما نزل منزلًا أو تحرك إلى آخر إلا و قرأ آية .
حسينية أبو صيبع