محاضرة الشيخ حسن العالي
|| الليلة الرابعة من شهر المحرم ||
بعنوان : تعاقبُ الأئمةِ(ع) و الفيضُ الجديد .
🔶 صدورُ حُكمَين في زمنٍ واحد
قال تعالى ” و داوود و سليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم و كنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان و كلًا آتينا حكمًا و علمًا ”
🔺 لعلماء التفسير و الحديث و المعارف آراءٌ متعددة لهذه الآية
🔷 التفسير الأول قاله مجموعة من علماء السنة أن الآية تدل على وقوع اجتهادين من نبيين في قضية واحدة ، أحد الاجتهادين مصيب و الآخر غير مُصيب .
أشكل عليهم علماء الشيعة أن الآية تشتمل على قرائن داخلية تدل على أن الذي وقع ليس من قبيل الاجتهاد الظني و التفكير البشري .
🔹القرينة الأولى ” ففهمناها سليمان ” و هذا يعني أن سليمان قد أُعطي فهمًا إلهيًا ، يعني إلهامٌ إلهيٌ وحيانيٌ فعلِم حكم تلك الواقعة .
🔹 القرينة الثانية ” و كلًا آتينا حكمًا و علمًا ” أي أن علم داوود و سليمان من العلم الإيتائي اللدني ، فما يقوله داوود ليس من قبيل اجتهاد المجتهدين و ما يقوله سليمان ليس كذلك أيضًا .
🔷 التفسير الثاني قال به بعض علماء التفسير أن الذي وقع في تلك الحادثة حكم واحد صدر عن سليمان أما مقدمات الحادثة و الحكم فكانت التشاور و التباحث بين داوود و سليمان ، فداوود لم يتصدى للحكم ، كأنما الله أراد أن يُعلِم المجتمع آنذاك من هو الخليفة للنبوة بعد داوود ، و كأن الحادثة اختبار لسليمان و هناك روايات تدل على هذا المعنى ، ” إذ يحكمان ” فلم تقل حَكَما ، يعني أن حكم صدر من داوود و حكم صدر من سليمان ، بل الآية تقصد أنهما في مقدمات إصدار الحكم .
🔷 التفسير الثالث لبعض علماء المعرفة ، يقول أصحابه أن الذي صدر في تلك الواقعة حكمان إلهيان مصيبان للواقع مع اختلافهما .قد تقول : كيف ذلك ؟
هناك بعض الروايات التي تكلمت عن صدور حُكمين :
🔸 الرواية الأولى أخرجها الحلي في ” مختصر بصائر الدرجات ” فقال : ما ضرَّ داوود أن خالفه سليمان .
🔸 الرواية الثانية سأل أبو بصير الصادق (ع) : هل حكما في قضية واحدة أو أكثر ؟ فقال له الصادق : لقد أوحى الله إلى النبيين إلى زمان داوود أن أي غنم نفشت في حرث فلصاحب الحرث رقاب الغنم و النفش لا يكون إلا ليلًا ، و أوحى الله إلى سليمان أن أي غنم نفشت في زرع أحد فله ما في بطونها و كلاهما حكمان من الله تبارك و تعالى .
🔺بعض الشيعة و المعتزلة قالوا لقد وقع التناسخ في تلك الحادثة يعني الحكم المجعول أولًا هو الذي نطق به داوود و هو حكم الأنبياء ففهَّم الله سليمان حكمًا فنسخ حكم سليمان حكم داوود و المنسوخ كان حكمًا إلهيًا و الناسخ كذلك . هل هذا الكلام صحيح ؟
✖ قال أهل العلم هذا الكلام غير صحيح لأن سليمان لم يكن صاحب شريعة و لم يكن من أولي العزم حتى يمكنه أن ينسخ حكمًا .
العلامة صاحب ” البحار ” رجع إلى الجواب الثاني أنه لم يصدر حكم من داوود و إنما المسألة كلها مباحثة و مناظرة ، إلا أن بعض أهل المعارف بيَّن حقيقتين :
🔶 نسبية الحق و الحقيقة
✖ هناك عدة مفاهيم خاطئة ، البعض يقول الأمور إما حق و إما باطل ، الحق ليس أنواع و الباطل ليس بأنواع و هذا خطأ .
🔹 ركزَّ القرآن على هذا الموضوع كثيرًا عندما تكلم عن درجات العلم و طبقات الكمال .
قال تعالى في الهداية ” و الذين اهتدوا زادهم الله ”
قال تعالى في النور ” و الله مُتِّم نوره ”
💡نسبية الحق و الحقيقة تعني أن هناك حقٌ و هناك أحق ، هناك حسنٌ و هناك أحسن ، هناك هدى و هناك أهدى ، هناك نورٌ و هناك أنور ، و لا يزيلُ حسن الحسن أن هناك ما هو أحسن .
🔹و هذا في نسبية الباطل أيضًا ، من ذلك قول أمير المؤمنين : لا تقاتلوا الخوارج بعدي فإنه ليس من طلب الحق فأخطأ كمن طلب الباطل فأدرك .
💡 الذي يطلب الحق فلا يدركه يقع في البطلان لكن الذي يعزم على الباطل و يدرك الباطل فقد توغَّل فيه .
🌿 الذي صدر من داوود حقٌ و لكن الذي صدر من سُليمان أحق و أجدى و أنفع للعباد ، ما صدر عن داوود تأتي به المصلحة و لكن ما صدر عن سليمان تأتي به مصلحة أكبر و أعلى .
🔺 لماذا قالت الآية ” ففهمناها سليمان ” لماذا الذي أُعطِيَ الأحق سُليمان و الذي أُعطِي الحق داوود مع أن داوود والد لسليمان ؟
🔶 ترابط آيات القرآن
هذا السؤال يحتاج جوابه للجمع بين آيتين ، آية البحث و بين آية في سورة البقرة ” ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ”
🔹 ورد تفسير القمي و العياشي أن الإمام الصادق(ع) قرأ الآية بقراءة أخرى ” نأتِ بخير منها مثلها ” .
💡 المقصود ليس الآيات في المصحف ، إنما كل ما ينطبق عليه آية و بالأخص الآيات التكوينية كالأنبياء و المعصومين ، فكلما ارتفع نبي أو إمام يأتي خير منه .
🔹قالوا ” مثلها ” في الخط و المنهج ، و “خير منها ” يعني الله يأبى إلا أن يصدر فيضًا جديدًا على كل آية جديدة ، نفسها في الخط و الطريقة لكن نعطيها علمًا جديدًا لم يكن عند الآية السابقة و هنا نفهم أن سليمان الآية الجديدة فأجرى الله فيضًا جديدًا على يد سليمان .
💡 قد تقول هذا يعني أن كل آية جديدة تكون أعلم من الآية القديمة . هذا صحيح في الأنبياء ، لكن من بعد رسول الله (ص) لا يكون أحد أعلم من السابق لأنه ورد في بيان العلاقة بين أهل البيت أن علاقة التعليم بين الأكبر و الأصغر تبقى حتى بعد الرحيل من الدنيا ، من ذلك رواية الصادق (ع): يموت الميت منَّا و ليس بميت .
🌿 فكل إمام في كل عصر يحبيه الله بعطاءٍ جديد و فيضٍ خلَّاق لكن في أهل البيت (ع) لا يصل هذا العطاء إلى الحي إلا عبر الوسائط ، فهم دائرة واحدة و علمٌ واحد رغم أن في هذه الدائرة ما هو أفضل ، لذلك تم التركيز على الحسين لأن الطريقة واحدة و الإنجاز واحد و الغاية واحدة .
حسينية أبو صيبع