الثلاثاء , 30 يونيو 2026

ملخص محاضرة الشّيخ حسن العالي – ليلة 1 من شهر محرم الحرام 1443 هـ

محاضرة الشيخ حسن العالي
1 محرم 1443

◾أسرار العزاء الحسيني ◾

قال تعالى : [ ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ]

🔶 كانت ولا زالت تتوارد أسئلةٌ حول علاقة الشيعة بالعزاء الحسيني، ومن يُراجع مجموعة تلك الشُبهات يجد أنَّها تطابقت في لحن الخِطاب فضلًا عن المضمون والمعنى، وإذا علمت أن عجلة تلك الأسئلة تدور وتتكرر فعليك أن تواجهها بكل قوة وثقة لا بتردد .

🔴 سؤال يُطرح : البكاء والتحسر على الحسين (ع) يحتاجه صنف البشرية الذين عاشوا في التاريخ الماضي ولا يحتاجه الإنسان الذي يعيشه في العصر الحالي؛ لأن العصر الماضي عصر البلادة وقلة النشاط الحضاري فلعله بالدموع يمكن أن يدب النشاط ويخرج الإنسان من وضع الركود إلى وضع العلم والتغيير . أما عصرنا الآن هو عصر الحضارة والهمم العالية فلا نحتاج إلى العلاقة مع الماضين ولا الأساليب العاطفية من البكاء والعزاء . فكيف نُجيب على هذا السؤال ؟

الإجابة :

🔹هل العصر الماضي هو عصر الجريمة والشيطنة والعصر الحاضر هو عصر الملائكة ؟ أو أن فنون الشيطنة والإبليسية تتعمق وتتنوع كلما تطوَّرت الآليات الزمانية ؟ فإذا كان الحسين هو قائد المسيرة الملائكية في البشر فالحاضر بحاجة إليه أكثر .

🔹 هذا السؤال طُرِح على نظام العقوبات في الإسلام فقالوا إن هذا النظام يصلح لإنسان الماضي وليس لإنسان الحداثة ، فالقصاص والتعزيرات يجب أن تلغى فلا تصلح للإنسان المعاصر .
هل الإنسان المعاصر أكثر جريمة وإبليسية من إنسان الماضي أو ليس كذلك ؟ بتطور الآليات تتطور القدرة على الجريمة فنظام العقوبات تزداد البشرية إليه حاجة .

💡 الحسين (ع) قائد مسيرة الطهر ضد الخباثة، والمسيرة الملائكية ضد الشيطنة، وهذا يعني أنَّ الحاجة للعلاقة مع مآتم الحسين تتقدَّم بتقدم الزَّمان ولا تتراجع

🛑 بعض أسرار وفلسفات المأتم الحسيني

🔷 الفلسفة الأولى :
أشار العلامة السيد شرف الدين إلى نقطة جوهرية تُثبت حُسن الشعائر الحسينية . قال في مقام الاستدلال على جواز إحياء ذكريات الموتى واستحباب ذلك :
إنَّ حُسن العلاقة مع الحسين لا تثبتها فقط سيرة المسلمين أو الأدلة من القرآن والروايات، يتفق مع ذلك أصول العمران وقواعد المدنية .

💡 إذا رجعنا إلى ما يؤمن به حكماء البشر من قواعد المدنية الرصينة فستجدها تؤمن معنا بضرورة تخليد واستعادة ذكريات الماضين . ألسنا نريد أن نصنع أمثالهم ؟

✅ لو عرضنا قواعد الدين العميقة على نظريات حكماء البشر لوجودنا التطابق بينها فإذا أردنا أن نكوِّن رأيًا ونحكم حكمًا على ممارسة شعائرية معينة ليس علينا أن نصغي لأقوال المهرجين أو بعض المعادين وإنما علينا أن نفهم حقائق الدين والحقائق التي وصل إليها البشر .

❌ كثير من البشر يعتقدون أنهم يعيشون مع روح العصر فيقول أن الممارسة الفلانية لا تتفق مع روح العصر، والحال أنهم فهموا شكليات العصر ولم يفهموا روح العصر ، فكيف يفهموا حقائق الدين والإسلام ؟

🌱 أحد علمائنا الكبار يقول : لقد علم مدققو الفلسفة عندما درسوا مآتم أهل البيت (ع) أسرارها العظيمة التي تؤدي إلى الفلاح والنجاح دنيا وآخرة .

🔶 أحد الغربيين الدكتور جوزيف الفرنسي في كتابه ” الإسلام والمسلمون ” :
▫️ قال إنَّ عدد الشيعة قليل إلا أنَّهم سيسودون فرق المسلمين ببركة العزاء الحسيني وذلك لأن العزاء الحسيني حوَّل كل شيعي لداعية لمذهبه .وماذا تظن بفرقة بالملايين كل أهلها وكل فرد ينتمي إليها يمثِّل داعية ؟
▫️ قال إنَّ بعض الشيعة يعتقد أن ممارسته لعزاء الحسين ليس لها أي بعد وانعكاس إلا الثواب الأخروي إلا أنهم من حيث لا يقصدون يؤثرون اجتماعيًا في البشر ولذلك يتحول البشر إلى إيجابيين في نظرتهم للشيعة .
▫️قال إنَّ المآتم الحسينية عبارة عن مبرات وخيرات لتقديم المعونة لكل أصناف أهل الحوائج ، وإنَّ خطباء تلك الفرقة لا يوجد لهم نظير في الفرق الإسلامية الأخرى ولذلك ببركة تلك المآتم وما يُلقى فيها تحوَّل أفراد الشيعة لعارفين بمسائل مذهبهم أكثر من معرفة أي مذهب آخر بمسائل مذهبه .
▫️ قال إنَّ الشيعة ببركة مآتم الحسين صاروا أكثر تطلعًا إلى مقتضيات العصر فهم أكثر الناس اكتسابًا للمعيشة، وأكثر الناس طلبًا للمعارف الدينية والدنيوية .
▫️ قال إنَّ الشيعة لديهم شعار فطري يحملونه في مآتم الحسين وذلك الشعار مؤثر في كل البشر، وهو شعار ذكرهم لمظلوميات كبرائهم، ومن المعروف أن الناس ينساقون للدفاع عن المظلوم، فالقضية التي تحيى في المآتم قضية فطرية طبيعية تستجلب الناس وتأخذ بالشعور .

🔶 حكيمٌ آخر هو حكيم الألمان ” ماربين ”

▫️ قال : إنَّ المصائب الحسينية أكثر تأثيرًا في العالم من المصائب التي وقعت على المسيح، فقدرة الحسين على التغيير تفوق قدرة المسيح على تغيير البشر .
▫️ قال : أخطأ بعض مؤرخينا عندما حكم على ممارسات الشيعة في المآتم بالجنون ولكنهم جهلوا أنَّ المأتم الحسيني أقوى عامل في تغيير وتبديل ما عليه المسلمون .
▫️ قال : لقد حضرت بعض تلك المجالس الحسينية فوجدت أنَّهم يدرس بعضهم بعضًا حُسن السياسة وإباء الضيم، وما ظنك بأمة تتعلم هذه المفاهيم من المهد إلى اللحد ؟
▫️ قال : إذا أردتم تمدن حقيقي فهو عند الشيعة ببركة المآتم الحسينية، إذا أردتم أحدًا يفهم في أصول الحقوق والسياسية فهم الشيعة ببركة المآتم الحسينية .

🔷 الفلسفة الثانية :

🔸 المأتم الحسيني عبارة عن تكريس القداسات والردع عن التجاوز على الحُرمات، أما أعداء الحسين في كربلاء والأعداء المتعاقبون أرادوا أن يسنوا سنة وهي سنة الاعتداء على حُرمات رسول الله ( ص ) ، سنة كسر القداسة ، فإذا استطعت أن تكسر قداسة شخص استطعت أن تبيد فكره ومعارفة .
🔸قديمًا الذي أقرَّ سب أمير المؤمنين (ع) على المنصات الإعلامية في ذلك الوقت أراد أن يكسر قداسة علي تمهيدًا لكسر فكره وهذه الخطة نفسها الآن يُعمَل بها، فإذا أرادوا أن يكون الإسلام كفكر هيِّنًا على أصحابه يقومون بكسر هيبة الرموز، وإذا أرادوا أن يوهِّنوا قيمة المأتم الحسيني يقومون بكسر قيمة خطباء المنبر الحسيني .

❌ الهجمة الشرسة على خطباء المنبر لا تأتي من فراغ، هناك أُجَراء يعملون وفق خطة وأهل البلادة يدخلون معهم بالمجان لأجل تحطيم المأتم الحسيني عبر تحطيم رموز المأتم .

🔷 في كربلاء أرادوا تحطيم قداسات رسول الله وقد رُدِعوا عن ذلك بعدة خطوات : حماسة الحسين(ع) وحماسة من معه كانت رَدعًا عن الاستهانة بقدسية الحسين، العقوبات الكونية التي أنزلها الله كانت رَدعًا، انقلاب معادلة النصر والهزيمة من يزيد إلى الحسين كانت ردعًا .
💡 أحد أسرار المأتم الحسيني أنَّ الاستمرار فيه عبارة عن استمرار التنديد بمن اعتدى على تلك القداسة، وإعداد نفوس وجنود على استعداد كامل للقصاص ممن اعتدى على حرمات رسول الله (ص)، إذا أردت للفكر المنحرف ألَّا يتجدد عليك أن تواصل في ردعه فِكرًا قبل عملًا على انتهاك الحُرمات .

❌ قد يظن البعض أنَّ فلسفة المأتم ليست إلا فلسفة تعاطف مع حدث ماض ، لكن ليس للمأتم أي انعكاس في المستقبل، الترجمة الحقيقية للمأتم أنه ردع عن تحقيق جرائم كالجريمة التي فُعِلت بالحسين (ع) أو ما يشابهها .

🔶 مواجهة الوباء الفِكري أهم

💡 البشرية اليوم كلها تواجه الوباء البدني من خلال الاحترازات ومفاهيم الكراهية لذلك الوباء، وثورة الحسين ومأتم الحسين يريد أن يقول إنَّ الحماسة ضد الوباء البدني ينبغي أن تترجم حماسة أعلى بكثير ضد الوباء الفكري والسياسي والأخلاقي وإلا أنت لا تفهم الأولويات .

💡 الذين يعترضون على مواصلة إحياء المأتم الحسيني نقول لهم : ألستم تحرصون على أخذ التطعيمات الموسمية الملزم وغير الملزمة ؟ وهذا المأتم الحسيني تطعيمات ولقاحات ومصل ملزم لأجل حماية الأخلاق والعقيدة والفِكر . وإذا كان العقل البشري يقول لك عليك أن تفعل كل الاحترازات لتأمين وضع الأبدان، العقل كذلك يقول لك أكثر من ذلك بالنسبة لتأمين الأفكار والمفاهيم .

💡 وُجِد المأتم الحسيني لكي يستمر ويبقى وكثرة اللهج بالشيء تُولِّد محبةً له، وما أعظم محبة الحسين (ع) ، وكثرة اللهج بالحسين (ع) تفعل في وجود الإنسان المعجزات .

🌱 الفقيه الكبير الذي دُفِن في هذا اليوم ، السيد عادل العلوي يقول :
قبل أكثر من خمسين عامًا توفيت امرأة في كربلاء، وكان العادة أنَّ الأموات يدفنون في السراديب وآخر مرحلة يشرف عليها المشرف على المقبرة ولا يمكث كثيرًا، وفي ذلك اليوم مكث ساعةً ولم يخرج، فلما دخلوا عليه وجدوه مغشىً عليه ولما أفاق قال عليَّ بولد هذه المرأة وسأله عن عمل أمه، هل كانت تقرأ العزاء ؟ هل كانت تقدم الأموال لمآتم الحسين ؟ هل لديها مأتم ؟ قال لا .
قال : عندما أردت أن أُكمل عملية الدفن لاح لي شبح الحسين (ع) وهو يقول : إنَّ هذه المرأة ضيفتنا هذه الليلة، فماذا كانت تفعل ؟ قال ولدها : كان لها عملٌ واحد أنَّها في قيامها وقعودها تنادي يا حسين وتلهج باسمه .

احفروا قبره بقلبي ورشُّوا
لثراه بدمعي المهمولِ
وأقيموا العزاء في كلِّ بيتٍ
لحسينٍ بعبرةٍ وعَويلٍ
كلُّ صبرٍ لكلِّ رُزءٍ جميلٌ
ولرزءِ الحُسين غيرُ جميلِ

شاهد أيضاً

الشيخ جاسم الدمستاني | ذكرى رحيل منقذ البشرية رسول الله محمد (ص) | يوم 28 صفر 1443 هـ