محاضرة الشَّيخ حسن العالي
4 محرم 1443
▪️ البلاءُ وفتنةُ العقول ▪️
🍁 قال تعالى : [ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ]
▫️أفرد القرآن الكريم بحثًا واسعًا لمحور البلاء والتقلبات والتغيرات التي تطرأ على أحوال الإنسان، وعالج كل الشبهات المحتملة والأسئلة التي يمكن أن تُستفهم على مسألة البلاء . الآية السابقة عدَّدت أنواعًا من البلاءات، قدَّمت الجوع والخوف على نقص الأموال والأنفس والثمرات، هل لهذا مغزى أو لا ؟
🔹 الخوف والجوع أمران غير مرئيين، وإن كان آثار الخوف والجوع مرئية، ووجود الخوف والجوع عند الإنسان أحد الأدلة على وجود روح في الإنسان .
💡 يريد القرآن بتقديم الخوف والجوع أن يقول لنا : إنَّ الابتلاء بغير المرئي أعظم زلزالًا على روح الإنسان من الابتلاء المرئي، وإن سلب النعم غير المرئية أعظم على الإنسان من سلب النعم المرئية، والواقع شاهدٌ على ذلك، أيهما أكثر توازنًا وعقلانية، الذي يُصاب بالخوف والجزع، أو الذي يُصاب بنقص الأموال ؟ أيهما أثقل على الإنسان الأمراض النفسية أم الأمراض البدنية ؟
▫️ في بعض البلدان العربية يعبِّرون ” الجوع كافر “، الجوع يتحدى كل فضيلة عند الإنسان، وهو اختبار صعب وكبير إذا وقع فيه الإنسان .
🔷 فلسفة عموم البلاء
🔺 سؤال :
الآية تقول [ ولَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ] وتُسنِد البلاء إلى الله، إذا كان الله هو الذي يدير دفة البلاء، لماذا لا يخص البلاء بالمتجاوزين والعاصين لقوانين الطبيعة أو لتعاليم الشريعة ؟ لماذا يعمِّم البلاء إلى العاصين والصالحين ؟ والحال أنَّ الآيات والروايات تؤكد أنَّ البلاء سنة عامة بل البلاء الأشد ينزل على المؤمنين أكثر من نزوله على سائر المؤمنين . وهذا السؤال وليد عدم معرفة أو خطأ في تفسير الروايات التي بيَّنت اختصاص المؤمنين بشدة البلاء .
▫️ يقول الصادق (ع) في وصف الطبقة العليا من الشيعة : البلاء أسرع إليهم من ركض الخيل، مسَّتهم البأساء والضراء وزلزوا وفتنوا .
▫️ وفي حديث آخر يقول (ع) : إنَّ أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل .
▫️عن الحسين (ع) يقول بالمعنى : إنَّ شدة البلاء على الشخص علامة على كونه منَّا، ومن لا يكون محطًا للبلاء فهو ليس منَّا .
▫️ دخل جماعة على الإمام زين العابدين(ع) وعلى عبدالله بن عباس فتذاكروا ما يجري على الشيعة من البلايا، فدخل الإمام زين العابدين على الإمام الحسين(ع) وكلَّمه في ذلك، فقال الحسين (ع) : إنَّ البلاء والفقر والفاقة أسرع إليهم من ركض البراذين (دابة أصغر من الفرس ذات قوائم قوية)،وأسرع إليهم من السيل إلى صِرمِه (منتهاه)، ومن لم يكن كذلك رأينا أنَّه ليس منَّا .
💡 حاولوا في الجواب على الأسئلة الدينية والمعرفية أن تقولبوا الجواب بلغة عصرية وبطرح مثال عصري متسالم عليه .
🔺 الإجابة :
🔹في العملية الدراسية والانتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى، ألا تُحدَّد المراحل صعودًا بامتحان ؟ ويشتد الامتحان كلَّما صعدت درجة ؟ فلكي يبان استحقاق الطالب للمراحل العليا لا بدَّ أن يمتحن في كل مرحلة بامتحان مناسب . الذي يُخفِق في الجامعه هل يختبر باختبار الدكتوراه ؟
🔹 في العرف البشري هناك جامعات لا يدخلها إلا طلاب استثنائيون بشرط قطعهم لامتحان معين بدرجة معيَّنة . فالامتحان في العملية الدراسية دوره إثبات الجدارة والاستحقاق للمراتب . هل الإيمان مرتبة واحدة أم مراتب ؟ هل الصعود إلى الله درجة أو درجات ؟ فدور الامتحان في العملية التعليمية هو نفس دوره في العملية الدينية .
🔹 الامتحانات الإلهية في الحقيقة هي مِنحة وجائزة بالنسبة لما هو تحتها، لأنك عندما تُعطى امتحان من الدرجة الثانية يعني أنك قطعت امتحان الدرجة الأولى .
🔹 الفلاسفة يقولون : إنَّ الامتحان دوره دور التكامل وتفعيل قوى الإنسان، وإخراجها من حالة الضمور إلى حالة التوهج .
🕯️ الله يريد للمؤمنين الخروج من الكمال إلى الأكمل، من الحَسن إلى الأحسن، أو يريد لهم الترفع من الدنو إلى العلو .
🔷 فتنة العقل أشد
▫️فتنة العقل أن يفقد العقل التوازن ويحار في تحليل الظاهرة، فبعض الناس أصابته فتنة عقلية فصار يقول لماذا درب المؤمنين كله مشاكل ؟ لماذا لا اختار جماعة أخرى ؟
▫️ بعض أنواع البلاء قد يفتتن فيها الملائكة، ولولا أن الله يشرحها لهم لوقعوا في حيرة .
🍁روى صاحب البحار حديث السمكة . عن أمير المؤمنين (ع) أنَّ رسول الله (ص) قال : كان في من قبلكم رجلان، رجلٌ مؤمنٌ مطيع، ورجلٌ كافر عاصٍ يوالي أعداء الله ويُعادي أولياءه، وكان كلاهما ملكان عظيمان على قِطر من أقطار الأرض، فمرض الملك الكافر وكان دواؤه في صِنف من السمك وصادف مرضه أنَّ ذلك الصنف من السمك لم يكن في متناول الأخذ وإنما كان في لُجج البحار فآيس الأطباء من علاجه وقال استخلف على عرشك فلست دون من سبقوا من أهل القبور . فبعث الله مَلكًا أزعج ذلك السمك من لُجَج البحار وجاء به إلى الشطوط فتناوله الأطباء وصنعوا له دواءً فعاش سنين طويلة، ثم مرض الملك المؤمن بنفس المرض وكان علاجه في نفس صنف السمك، وكان السمك في ذلك الأوان على شطط البحار فطمأنه الأطباء، فبعث الله نفس المَلك وأمره أن يُزعج السمك على الشطوط ويُذهب به إلى لجج البحار، فآيسوا من علاجه ومات .
يقول علي (ع) : فتعجب الملائكة وتعجب أهل تلك البلد حتى كادوا أن يفتتنوا . فأوحى الله إلى الملائكة وإلى نبي ذلك الزمان : إنِّي أنا المتفضل الكريم، لا أظلم أحدًا مثقال ذرَّة، وإنَّ الكافر له حسنةٌ فجازيته بها في الدنيا حتى يأتيني يوم القيامة ولا حسنة له فأُدخله ناري، وإنَّ للمؤمن خطيئةً فجازيته بذلك المرض لكي يأتيني ممحصًا من ذنوبه فأُدخله جنتي .
🕯️ البلاء المختص بالمؤمن ليس علامة مَهانة، ورفع البلاء عن الكافر ليس علامة كَرامة، وعدم معرفة مصالح وغايات وتفسيرات البلاء قد تؤدي إلى إدخال الفتنة العقلية، قد يشك الإنسان في الله وفي الدين .
🔷 العقائد أعظم معالج للابتلاءات
▫️ أنجع دواء للبلاء تقوية العقائد والمعارف ، لا عمل ولا سلوك ولا تحمل ولا انهيار إلا عن عقيدة، كل تصرف يتصرفه الإنسان تحدده العقيدة الداخلية، والقرآن الكريم دائمًا يربط بين المعارف والفضائل، والرذائل وعدم المعرفة .
▫️ والآن حتى في الدول العظمى من الأمور الاستراتيجية التي يؤمنون بها : ليست قوة الجيوش تعتمد على كمية التسليح أو التدريب العسكري، أهم من كل ذلك نمط العقيدة العسكرية التي يحملها الرجل العسكري؛ لأننا وجدنا جيوش ضخمة انهارت لأجل إشاعة، ووجدنا جيوش قليلة استطاعت أن تفتح البلدان . وهذه عقيدة قرآنية أيضًا : [ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ]
▫️أعظم أنواع الصبر وتحمل الشدائد ينتج من نقلة الإنسان من الشديدة إلى عالم الآخرة، مثل التلميذ الذي يحس بالضيق عند المذاكرة يُفرِّج عن نفسه بالانتقال إلى الجائزة والنهاية .
▫️ في سيرة الحسين (ع) أنَّه في مسيره لكربلاء في كل موطن كان يقرأ : إنَّا للَّه وإنَّا إليه راجعون . فهذه نقلة روحية من الشدائد العملية إلى العقائد .
🕯️ العقائد عبارة عن بوصلة تقي الإنسان الانهيار عند المفاجآت،شجاعة أصحاب الحسين (ع) وَليدة عقيدة، لديهم مرجعية وإمام يمثِّل لهم كل شيء .
حسينية أبو صيبع