محاضرة الشَّيخ حسن العالي
6 محرم 1443 ه
▪️الولاية ثمرة الطاعة والمعصية ▪️
🍁 قال إمامنا محمد بن علي الباقر(ع): لا تُنال ولايتنا إلا بالورع، وليس من شيعتنا مَن ظلم النَّاس .
🔷 العقائد منتهى الفقه
▪️ للطاعة حكمٌ فقهي وقيمة أخلاقية، وللمعصية حكم فقهي وقيمة أخلاقية، إلا أنَّ عظمة الطاعة فوق وزنها الأخلاقي والفقهي وخطورة المعصية فوق خطورتها الفقهية والأخلاقية، فما بعد المعصية أخطر من المعصية، وما بعد الطاعة أعظم من أصل الطاعة .
▪️ إنَّ الطاعات والمعاصي تبدأ فقهية، تنشأ أخلاقية، ولكن تنتهي بمراحل عقائدية، فالعاصي يفتح له خط إيحاء بينه وبين الشياطين التي تُلهم المعصية، أو المعصية تتحول إلى ولاية للشيطان، فالمعاصي جَذبة معنوية روحية لمراكز الظلام في الوجود .
▪️ قال تعالى : [ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ ] يعني المعصية بيئة تفتح خط الاتصال للوحي الشيطاني للإنسان، يقول الإمام الصادق (ع) تحت هذه الآية : وحيٌ كذب وفسق وفجور إلى أوليائهم من الإنس ومن يتبعهم .
▪️ قال تعالى : [ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ] ومعنى اقتران الشيطان أن يدخل العاصي في ولاية الشيطان .
🕯️ أهل المعاصي لا يختارون من الأقوال إلا الشَّاذ منها، لا يتبنون من الأفكار إلا الساقط منها، لا يميلون إلا للعقائد الفاسدة، والسبب هو أنَّ المعصية بيئة لفتح الخط للشيطان، فيصير الشيطان ينفث في كل زوايا حياة الإنسان . في مستهل خطبة السيدة زينب (ع) تقول : صدق الله تعالى إذ قال : [ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ] الذي تحقق منهم عمل سيء، لكنه تعالى وتصاعد خطورةً فتحوَّل إلى تكذيب عقائدي لله، وتصديق عقائدي بولاية الشَّيطان .
▫️ الطاعة بيئة تفتح وحي الرحمن وولاية الملائكة والأئمة(ع) في وجود المُطيع، فيصير قلب الطائع عبارة عن بيئة لتلقي الوحي الرحماني. قال تعالى:[ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ] .
▫️ عن الصادق (ع) : ما من مؤمن إلا في جوفه أذنان. أذن ينفث فيه الوسواس الخناس، وأذن ينفث فيه المَلَك .
▫️ عن الرضا (ع) : روحٌ تحضره إذا اتقى وأحسن، وتغيب عنه إذا اعتدى وأساء .
🔺 مثال : أليست شركات الاتصال عديدة، وكل شركة لها محطة رئيسية تبث ذبذباتها لبيوت العملاء بشرط أن يكون لدى العميل لاقط ؟ نعم .
هل لاقط هذه الشركة يلقط الشركة الثانية ؟ لا .
✅ هكذا القلوب مع الطاعة والمعصية، بالمعصية تكون القلوب لواقط من مراكز الظلام، وبالطاعة تكون القلوب لاقطة لمراكز النور، ولا تتداخل . فالذي ملأ وجوده معصية لا تعتقد أن لاقطة قلبه تميل للخير وتلتقط المعنى الحَسَن .
🔺 لافتة عريضة في هذا الزَّمان تُرفَع، فيُقال لك : كل الآراء محترمة، كل الأنظار مقدَّرة،والحال أنَّك إذا رجعت إلى خلفيات أصحاب الآراء تجد أنَّ هذا مرتع شيطاني وهذا مرتع رحماني، هذا عبدٌ للشهوات وهذا عبدٌ لله، هذا يعيش في بيئة الذمائم وهذا يعيش في بيئة الفضائل، فلا تستمع لكل رأي وقول، وإنَّما ارجع لخلفيات أصحابها .
🔺 المعصية تعطِّل حكم العقل عند الإنسان، وتحرِّك أحكام قوى أخرى، فقد تقول : تخرج آراء الناس من عقولهم، وهذا غير صحيح . فالعقل يفكِّر، لكن إذا غُلِب على أمره يكون عقلًا مفكِّرًا بلغة الشهوة أو الضغينة .
🔺 أكبر الأزمات أنَّ الذي يفكِّر عندنا هو العقل، اقرأ نفسك قبل غيرك، قل عندما أخذت هذا الرأي في هذا الموقف ، هل كان عقلي هو الذي يتحرك بلونه المحض ؟ أو يتحرك بلون الشهوة أو بون الحقد والضغينة على هذا الإنسان ؟ وحتى أنَّ الكثير من الكتب كُتبت بلغة الشهوة والضغينة ونفث الشيطان .
🔺 التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي وليدة عقول ؟ أم هي أزمة شهوة وحقد وغباء وبلادة وانتماء لمكان ؟ قلَّما تصدر منَّا الآن أفكار عقلية محضة، يعني حكم فيها العقل من دون مداخلة أي شهوة أو ذميمة من الذمائم .
▫️ الأمور المرئية التي نراها، طاعاتنا ومعاصينا تبدأ مرئية وتنتهي بالتواصل والانجذاب لغير المرئي، إما أن أتولى ملكًا أو أتولى شيطانًا، إما أن أكون بيئة لمطر الملك، أو بيئة للشيطان .
▫️ علاقتنا مع الحسين(ع) إما أن تكون ظاهرية شكلية، ولا تتوقع منها أن تجعلك منتمٍ لمركز النور الحسيني .
يقول الباقر (ع) : لا تُنال ولايتنا إلا بالورع، وليس من شيعتنا مَن ظلم النَّاس .
🔺 ظلم الناس معصية كبيرة، تجعل لاقطة القلب منتمية لولاية الشيطان .
▫️ قال تعالى :[ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ]، إذا كنت تريد أن تكون منتمٍ لمركز وولاية إبراهيم النورية، عليك الاتباع والطاعة . قال تعالى : [فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ] . شرط الانتماء لمراكز ولايتهم هو الطاعة والتبعية والمشاكلة العملية .
🔺إذا أردت أن تعرف هل أنت منتمٍ للوحي الحسيني أو لست كذلك . اسأل نفسك : هل أنت من قرناء الطاعة أو من قرناء المعصية ؟ هل أنت من أهل تبعية الآراء الفاسدة والعقائد الباطلة الميَّال للتجديد الفكري الخرافي أو أنك من أهل الثبات على العقائد الحَقَّة ؟ هل أنَّك من أهل العقائد الحقَّة أو ممن تسربت لهم العلمانية الخفية التي تنتشر اليوم بين المؤمنين ؟ فاليوم قد ترى مؤمنًا قضى ستين سنة في المسجد، ويأتي الآن يسألك : هل هذا الدعاء الوارد عن أهل البيت (ع) صحيح أو ليس بصحيح ؟ وهذا تسرب علماني .
🔺 العلمانية ليست لافتة نرفعها، وإنما انتماء فكري، إذا أشمأزينا من ولاية أهل البيت (ع) وفضائلهم وكراماتهم ومعاجزهم فهذا هو محض العلمانية .
🔷 عظمة كربلاء بعقائد رجالها
▫️عظمة رجالات الحسين (ع) تكمن في أنَّهم جعلوا قلوبهم لاقطةً لذبذبات الحسين وملكوته، ولم يروا أحدًا في قِباله .
▫️ آيات القرآن التي كانت تصف أغلب من كان مع النبي(ص) في ساحات المواجهة، وتقرأ أوصاف أصحاب الحسين الثابتة والموثوقة، تجد أنَّ المقارنة غير ممكنة .
يقول القرآن في واقعة الأحزاب : [ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ] يعني أن زلزال المعركة آنذاك أوصل كثير من أصحاب رسول الله (ص) إلى مقدمات الموت من الخوف والوجل الذي أصابهم، فمركز الولاية وهو رسول الله (ص) لم يكن هو المتوهج عندهم، بل كان قوة الحرب والعسكر أقوى من توهج النبي .
▫️ أنصار الحسين(ع) يقول عنهم: يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل بمحالب أمه .
🕯️أنصار الحسين(ع) لهم انجذاب طبعي تكويني للحسين(ع) فلم يكونوا يرون أمام توهج الحسين شيئًا آخر .
🔷 الشَّبه بين سحرة فرعون ورجالات الحسين (ع)
🍁 يقول الشيخ المقرم : لما عرف فيهم الحسين (ع) التفاني كشف عن أبصارهم، وأراهم منازلهم في الجنة .
ثم يقول : وليس كذلك في قدرة الله بعزيز ولا على الإمام المعصوم بصعب . كيف وموسى كشف لأصحابه منازلهم في الجنة لما أراد فرعون أن يقتلهم ؟
قال سحرة فرعون : [ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ] .
🔺عندما نُصبح في موقع الخطر ، هل نثبت على البيِّنة مع العقوبة ؟ هل نثبت على البيِّنة في قِبال الزَّوجة ؟ هل نثبت على البيِّنة في قِبال الأسرة ؟ كم من واحدٍ فينا يُخفي البيِّنات والحقيقة لأجل عاطفة أسرية ولأجل هيبة زوجة ؟
▫️ هؤلاء قال لهم فرعون سأُقطِّع وسأفعل لكن قالوا [ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ] ، البيِّنات التي رأوها هي أنَّ موسى كشف لهم منازلهم في الجنة .
🕯️ أهل المعرفة يقولون : الأبدان أثواب الأرواح، إذا تعلقت الروح بهذه الطبقة من الوجود -البدن- أحسَّت بالمرارة والصعوبة وبوخز الجرح البسيط، وإذا تعلقت الروح بطبقاتها العالية -وجودهم الآخر- تغفل عن البدن وتعتبره ثوب .
▫️ أصحاب الحسين كانت أبدانهم أثوابًا، أما أرواحهم فتعلَّقت بطبقات وجودهم العالية فصارت هذه الأبدان ليست ذات قيمة، و التوهج المعنوي الذي كان عند أنصار الحسين(ع) لم يكن حتى عند سحرة فرعون، لقد اختارهم الحسين اختيارًا، عشاقٌ شهداء .
حسينية أبو صيبع