محاضرة الشَّيخ حسن العالي
8 محرم 1443 ه
▪️الفوارق بين المقام الاصطفائي والكَسبي▪️
🍁 قال تعالى :[وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ]
▫️ الإمامة والولاية بجميع ملفاتها وشؤونها إلى هذه اللحظة لم تُقرأ كما ينبغي، بل أشار بعض العلماء إلى أنَّه من المستحيل أن نتعرف على كل أبعاد الإمامة والولاية، والذي نتعرف عليه إنَّما هو بقدر سعة طاقتنا الفِكرية، ولكن لا بدَّ من الاجتهاد والتعرف على ما يمكن من أبعاد هذا المقام الإلهي .
▫️ بل حتى الولاية ليست هي ولايتنا لأهل البيت(ع) منتهى المَطاف، وإنما هي وسيلة لما هو أكبر منها.
فتقرأ في زيارة الحسين(ع) : يا أبا عبدالله، إني أتقرب إلى الله وإلى رسوله وإلى أمير المؤمنين وإلى الحسن وإليك بولايتك ، فولايتك هي المقدمة للوصول لذاتك، فذاتهم أعظم من ولايتنا لهم .
🔺 هل أنَّ الإمامة والولاية أمران كسبان أو اصطفائيان ؟
▫️الأمور الكسبية تؤخذ بالتربية والعمل والتدرج، والأمور اللدنية الاصطفائية تُعطى من الله دَفعة واحدة .
▫️ آية البحث [ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ]، تعني أنَّ هذا الولي سواء نبيًا أو إمامًا، يكون باصطفاء من الله، ويكون من سلسلة الذرية يعني سلسلة ذرية النبي أو الإمام . وكان دعاء الأنبياء أن يحصل المَقام في ذريتهم، فلو كان المقام كسبيًا لماذا يطلبه ؟
❌ أخطأ المفسِّرون الذين قالوا : إنَّ الوارث المطلوب في الآية هي الوارث الذي يرث تركة ومال النبي حتى لا يضيع .
✅ الروايات بيَّنت أنَّ المقصود من الوارث هو الوارث للإمام، والأنبياء ليس من شأنهم أو قيمتهم طلب الوارث المادي وإنما جلُّ اهتمامهم بتأمين مستقبل الرِّسالة السماوية، فهو يطلب وارثًا مقاميًا .
🕯️ هناك فرق بين مقام المرجعية ومقام النبوة ومقام الإمامة، فمقام المرجعية يُمكن أن يكون خلف المرجع من ذريته ويُمكن أن يكون ليس من ذريته؛ لأنَّ المرجعية أمرٌ اكتسابي فإنَّ اكتسبه واحدٌ من ذرية المرجع صارت في الأقارب،وإن اكتسبه أجنبي انتقلت المرجعية إليه . أما النبوة والإمامة، فتتسلسل في الذرية،
قال تعالى: [ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ] .
🔷 ما هي الشروط التي تجعل الله يفيض الإمامة أو النبوَّة على شخصٍ ؟
🔸 أولًا : قسَّم علماء الكلام علم الله إلى نوعين :
علمٌ فِعليٌّ، وعلمٌ انفعالي
أو علمٌ في مقام العلم، وعلمٌ في مقام العين .
▫️العلم الفِعلي يعني علم الله السابق على الوجود والخلق أنَّه لو خلقهم كيف سيكونون، ما هي مصائرهم وعواقبهم ومقاماتهم . وهذا مأخوذ من كلام الصادق(ع) : يعلم بالشيء لو كان كيف كان سيكون .
▫️العلم الانفعالي يعني يتحقق الوجود ونعمل الأعمال وتتحدَّد مصائرنا، فيعلم كلما عملنا شيئًا علمه .
▫️ هناك تطابق بين العمل الفعلي والانفعالي، فما علمه قبل خلقنا سيتحقق جزمًا إذا خلقنا، فيعلم أنَّ هذا الإنسان مؤمن كافر طبيب تاجر ….. الخ .
🔺 إذا علِم الله ما سيكون، وأنَّ الذي علِمه سيكون، هل أنَّه جبرنا على اختياراتنا ؟ هل خطط لنا ثم دفعنا دفعًا ؟
💡 علِم بنا إذا وُجدنا ماذا سنكون، وعلِم أنَّ ما سنكونه باختيارنا وإرادتنا وفِعلنا .
🔸 ثانيًا : للَّه سبحانه وتعالى نوعان من الامتحان لنا :
امتحانٌ في علمه الفِعلي، وامتحانٌ في علمه العَيني (الدنيا)، فنحن اختُبرنا في مرحلة قبل الخَلق ( اختبار في العلم الإلهي ) ونُختبر بعد أن نُخلَق .
▫️ قال تعالى : [ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ]، فالآية تتحدث عن اختبار وقع في عالم آخر، وهذا الاختبار علِم به الله ما سيكون في العالم الانفعالي .
▫️ في زيارة الزهراء (ع) : يا ممتحنة، امتحنكِ الله الذي خلقكِ قبل أن يخلقكِ، فوَجدكِ لما امتحنكِ صابرة .
يعني امتحنها في إطار العِلم قبل عالم المادة، فوجدكِ لما امتحنك صابرة ( في العلم) أي حدَّد وزنها في عِلمه .
▫️ في دعاء الندبة : ( الَّذِينَ اسْتَخْلَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ وَدِينِكَ، بَعْدَ أَنْ شَرَطْتَ عَلَيْهِمُ الزُّهْدَ فِي دَرَجاتِ هذهِ الدُّنيا الدَّنِيَّةِ فَشَرَطُوا لَكَ ذلِكَ وَعَلِمْتَ مِنْهُمُ الوَفاءَ بِهِ فَقَبِلْتَهُمْ ) فعلمت منها الوفاء يعني علمت في العِلم الفِعلي في الاختبار السَّابق على عالم الدنيا، علِمت منهم الوفاء بشروط الإمامة .
🔺 قد يقول قائل : نحن لا نتذكر أنَّنا اختبرنا ونجحنا في الاختبار أم لا .
💡لن تتذكر لأنك تحولت من عالم العِلم إلى عالم المادة، فالنشأة تختلف وأَنستك الكثير من ذاك، لكن إذا أردت أن تعرف كيف اختُبِرت وما هو مصيرك، فالذي يجري عليك الآن في الدنيا هو صورةٌ للاختبار الذي جرى عليك هناك، والمصير الذي تعيشه هنا هو المصير الذي تبيَّن هناك .
▫️ الله سبحانه وتعالى اختبر الزهراء (ع) في ذلك العالم ووجد أنَّها صابرة في الامتحانات، ولما جاءت في الدنيا وقع عليها ما وقع، وأبدت من الصبر ما أبدت فتطابق العلم الفِعلي مع العلم الانفعالي .
🕯️الإمامة أُعطِيت للحسين (ع) جزاء عن امتحانٍ في عالم العِلم، وسينجز الامتحان في عالم الدُّنيا . فالإمامة والنبوة مقامان اصطفائيان يُفاضان كجزاء عن نجاحٍ سابق ( في عالم العِلم ) ونجاحٍ لاحق ( في عالم الدنيا ) .
🔺 لماذا الأئمة والأنبياء مرتبطين بنسيج عائلي واحد ؟
🔸 كما أنَّ المَقام اصطفائي، أيضًا القَرابة اصطفائية، يعني اختبرهم في عالم العِلم وتبيَّن أنَّ لهم امتياز واحد وسقف مقام واحد، فانتخبهم الله ليكونوا في ذرية واحدة. كالأستاذ الذي عنده مجموعة من الطلبة وينتخب أهل الامتياز في جانب لمقامهم الامتيازي المتشابه ويجعلهم في حلقة واحدة، فلما كان امتياز الأئمة والأنبياء والنجاح الذي نجحوه هناك واحدٌ ربطهم بشبكة عائلية واحدة. ففي زيارة علي الأكبر تقول : وجَعلكَ من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرَّجس .
💡 نظام الكون أنَّ كل وحدة مقامية ترتبط بشبكة عائلية واحدة، فلا يصح أن هناك شخصًا في مقامٍ عال يجعله الله في أسرة ليست في مثل مقامه، فلما تبيَّنت المَقامات أنَّهم من صنفٍ واحد صاروا من عائلة واحدة .
🔸المَقام الكَسبي الحصول عليه بالتربية والجُهد والكسب، وهو قابلٌ للزوال من الشخص الذي اكتسبه؛ فيكتسب الإنسان العِلم أو المرجعية جَرَّاء التعلم، فلو هجر مقدمة التعلم يزول المَقام . شخصٌ وصل إلى مقام العبودية ثم هجر العبادة، هل يبقى مقامه ؟
🔸 هل تتصوَّر أنَّ نبوةً ترتفع عن نبيٍّ؟ أو إمامةً ترتفع عن إمامٍ ؟ لا؛ لأن الله لما اختبرهم وتحقَّق من صلاحيتهم للمقام علِم كذلك أنَّهم لا يريدون الانزلاق عن طريقهم ومسارهم .
🔸 المقام الاصطفائي بابه مُغلَق، أما المَقام الكسبي فهو مفتوحٌ؛ لأنَّ المَقام الكسبي يتحقَّق من خلال برنامج عملي خاص فكل من أخذ هذا البرنامج وصل إلى هذا العِلم الاكتسابي، بل بعض المقامات الاكتسابة تحصل حتى للكافر، أنواع من الحِكمة يحصل عليها الكافر . كما في الحديث القدسي : ( إنَّ عبدي إذا أجاع بطنه وحفِظ لسانه لقَّنته الحِكمة ولو كان كافرًا فتكون حجَّةً وبالًا عليه ) . ألا يوجد لدينا كفار لديهم القدرة على قِراءة بواطن النَّاس ويستطيعون أن يقرؤوا المُستقبل ؟ وهذه أمور حِكَمية لا تترتب على الإيمان، وإنما على رِياضات خاصَّة .
🍁 في كربلاء رجالٌ وشباب وإن لم يصِلوا إلى مقام الإمامة ولكن لهم نوعٌ من الاصطفاء في ذرية أهل البيت(ع)، ليس شأنهم فقط أنَّهم أهل جهادٍ وفِداء وتضحية، وإنَّما لهم نوع من المَقام الاصطفائي كالأكبر والقاسم وأبي الفضل العباس، وما مواقفهم في كربلاء إلا أدلة على ما لهم من مقام .
حسينية أبو صيبع