الإثنين , 29 يونيو 2026

ملخص محاضرة الشّيخ حسن العالي – ليلة 10 من شهر محرم الحرام 1443 هـ

محاضرة الشَّيخ حسن العالي
10 محرم 1443 ه‍

▪️ عاشوراء جامعة لفئات الصَّبر ▪️

🍁 قال تعالى : [وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ]

🔶 الناظر في آيات القرآن، وفي الجانب الأخلاقي منها في فضيلة الصبر، يتعرف على أنَّ للصَّبر لغات وأنواع، وقد تدرجت الآية في ذكر ثلاث صفات للصَّبر .
▫️أولًا : الصَّبر في البأساء يعني حين الفقر والجوع .
▫️ثانيًا : الصَّبر في الضَّراء يعني عند المرض والجرح .
▫️ ثالثًا : الصَّبر في البأس يعني في زلزال وأهوال المعركة العسكرية .

▪️ تدرَّج القرآن من الأخف وطأة إلى الأشد، فالثاني أشد من الأول، والثالث أشد من الثاني، ونقول بضرسٍ قاطع : إنَّ هذه الدرجات والمراتب من الصَّبر لم تتحقق في ثورة ونهضة بشرية كما تحققت في النهضة الحسينية، فكانت في هذه النهضة كل لغات وأنواع الصبر، وفي كل نوع من أنواع الصبر كانت المكابدة عظيمة، فلا بأساء كالبأساء التي وقعت على الحسين (ع)، ولا ضرَّاء كالتي في كربلاء، ولا بأس وحرب كالحرب التي وقعت في تلك الثورة .

🔷 مراتب زلزال الرُّوح في عاشوراء

🔸 ذكر بعض المحقِّقين أنَّه لم يكن الهدف الأول لبني أمية هو التصفية الجسدية السريعة لسيد الشهداء، فالهدف الأول هو العمل على إخضاع الإرادة الحسينية، وكسر الكبرياء الحسيني، ولا نحتاج إلى استدلال كبير على هذا المعنى، وذلك لأن التصفية الجسدية كانت تكلِّفهم كثيرًا وتجر عليهم ويلات بلا حدود، بينما لو استطاعوا أن يلووا الإرادة الحسينية لاستتب الحُكم .

🔺 أمثلة شاهدة على أنَّ المُراد كان كسر الإرادة :

🔹 أولًا : قطع الماء عن الحسين (ع) وعائلته
قد يقرأ البعض فلسفة قطع الماء أنَّه محاولة لإضعاف القدرات الجسدية للحسين ومن معه، حتى إذا قامت ساعة الحرب تتمُّ التصفية بسهولة ومن غير خسائر .
إلَّا أنَّ الفلسفة الأهم لقطع الماء هو *إحداث زلزال روحي وانهيار معنوي وضغط نفساني شديد على الإرادة الحسينية* .

🕯️ تصوَّر أن يُحصَر شخصٌ بين جيش مترامي الأطراف، فيُمنع عليه الماء، فيعيش في أجواء صُراخات أطفاله ونسائه، ويراهم وقد لاحت عليهم علامات الموت، فأيُّ أفق للإرادة يبقى ؟ وأي مدى للصبر يستمر ؟ فأرادوا بقطع الماء الضغط النفساني الشديد على سيد الشهداء (ع)، فكانوا بني أمية يعرفون أنَّ العطش لن يغيِّر كثيرًا من معادلة القوة في المعسكر الحسيني .

🔹 ثانيًا : تدرج المعسكر اليزيدي في القضاء والتصفية على الحسين ومن معه فلم يميلوا على معسكر الحسين مَيلة واحدة، وإنما كانوا يقتلون أفرادًا أفراد، وهذا أيضًا محاولة لكسر العزيمة وللضغط النفساني والروحي الشديد على الحسين (ع) .

🕯️ في علم العسكر : لا تُقرأ معادلة الهزيمة والانتصار بالشكل الأخير للمعركة، وأن أي طرف قام بتصفية الطرف الآخر، وإنما تقرأ معادلة النصر والهزيمة أنَّ الأهداف الأولى هل تحققت أم لم تتحقق ؟ إنَّ الهدف الأول هو إخضاع الإرادة، والحسين (ع) هو الذي تصرَّف في معادلات النصر والهزيمة، وهو الذي غيَّر الواقع، وجنى النصر المكين والفتح المبين بتعطيل الهدف الأول للمعركة . والحسين أخلاقيًا وقيميًّا وإراديًا ونفسيًّا هو الذي حقَّق النتيجة الكاملة .

🔷 كسر مرارة الصَّبر

🔺 كيف يُمكن أن تُكسَر مرارة الصَّبر ؟ فلا شك أنَّ الصبر يستتبع شدائد . عندما ترى مجموعة يتميَّزون بفضيلة الصبر لم يكونوا في مستوى موحَّد؛ لأن بعضهم سيكون صابرًا مع شدائد وأثقال، وبعضهم سيكون صابرًا مع لذةٍ وراحة . ألسنا نحس بالثقل والتعب والمزاج الضيِّق في أداء الصلاة ؟ بينما رسول الله (ص) كان يقول لبلال : أرحنا بها يا بلال . فالصبر على الشدائد والزلزال الروحي والعسكري له مرارة . كيف تُكسَر ؟

▫️ أجاب الله تعالى في آية مختصرة فقال : [ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ] . أحد أساتذنا المحققِّين في شرح هذه الآية ذكر كلامًا أساسيًّا :
حتى نعرف كيف تُكسَر مرارة الصَّبر نأتي إلى الأصول الكليَّة في علم الطب القديم ( الطب البديل )، ففي علم الطب البديل لهم مفاهيم كليَّة تؤدي إلى اعتدال البدن، يقولون : إذا أُصيب البدن بالبرودة، البرودة تُكسَر بالحرارة، الرطب يُكسَر بالجاف، الدُهن يُكسَر بالخل، الحلو يُكسَر بالمر . يعني *اجعل في مقابل كل شيء ما يضادده*

▫️ الكسر والانكسار في معادلة صحة الأبدان، هو نفسه الكسر والانكسار في معادلة سلامة المسير الروحي .
فتكلم القرآن مرة عن الرغبة ومرة عن الرهبة، عن الخوف والطمع . فالمسير الروحي السليم لا يُمكن أن يكون بالطمع لوحده أو بالخوف لوحده، فالطمع لوحده يولِّد البَطر، والخوف لوحده يخلق الأزمات النفسية .

▫️ في علم الطب القديم قالوا في الكسر والانكسار لا بدَّ أن تكون المعادلة متناسبة، وأن تجعل للشيء ما يقابله لكن بالتناسب، فلا يمكن أن تكون البرودة 50 درجة بينما الحرارة 30 درجة، لا يمكن أن يشرب كأسًا من الدُهن وحتى لا تصيبه الجلطات يشرب قطرات من الخل، فلا بدَّ أن تتعادل النسبة .

▫️ هكذا في المسير الروحي فاعتداله بهذه الطريقة، تجعل كل شيء بما يقابله وتتحفظ على المُناسبة . يقول الإمام زين العابدين (ع) : اللَّهم ولا ترفعني في النَّاس درجة، إلا حططتني في نفسي مثلها، ولا تُحدِث لي عزًّا ظاهرًا إلا وأحدثت لي ذلة باطنة بقدرها .

🕯️ إذا أردنا أن نكسر مرارة الصَّبر لا بدَّ أن تُعالج بحلاوة البِشارة، لماذا كان أصحاب الحسين (ع) كما في “البِحار” عن الباقر (ع) لا يحسُّون بألم السيف، ووقع الرماح، ورشق السهام ؟ ذلك لهيامهم في حلاوة البِشارة الإلهية . أراد ابن زياد أن يكسر إرادة زينب فقال لها : كيف وجدتِ صنع الله بأخيك الحسين ؟ فقالت : ما رأيت إلا جميلًا، هؤلاء قومٌ كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم . أراد أن يقوقعها في مكابدات الدنيا فذهبَت به إلى بُشرى الآخرة، فبدل أن تكون في مكابدة وألم تحول إلى صبر مع حلاوة .

🔷 صبر على مستقبل المشروع

▫️ هكذا كانت كربلاء، وهكذا كان الحسين (ع) ومن معه، لغة راقية عظمى في الصبر، وأعظم أنواع صبر من كان مع الحسين(ع) هو صبرهم على خفايا المشروع الحسيني، فهذا نوع آخر من الصبر لم تذكره الآية .

▫️ كيف يُمكن أن تصبر على مشروعٍ مزلزل وأنت لا تعلم بخفاياه . قال تعالى : [ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ] ، فصبرهم على المشروع الحسيني دليل على وقوفهم على تأويلات النهضة، وعلى خفايا الأسرار الحسينية .

▫️ لماذا كانوا يتمنون القتل والقتال مع الحسين (ع) ولو سبعين مرة ؟ لأن نفوذ بصيرتهم بمستقبل المشروع والإنجاز الحسيني عظيم، فكان صبر مع علم وانفتاح كامل على المشروع الحسيني .

شاهد أيضاً

الشيخ جاسم الدمستاني | ذكرى رحيل منقذ البشرية رسول الله محمد (ص) | يوم 28 صفر 1443 هـ