محاضرة الشَّيخ حسن العالي
11 محرم 1443 ه
🍁 قال تعالى : [ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ]
🔹لا يرى البعض مكانةً مرموقة لزينب (ع) إلا أنَّها امرأة امتُحنَت بفجائع ومصائب كربلاء، وإن زاد على ذلك فيُمكن أن يصِفها بأنَّها ذات عفاف وصَون استثنائي، وكانت عابدةً بعبادةٍ متألقة . وقد يُنكر ما لها من مقاماتٍ عالية كمَقام النيابة عن المعصوم، أو مَقام العِصمة .
🔹 إن كان للمُنكر عذرٌ فهو أنَّ هذه الأبحاث العقائدية لم تكن مبلورة وممنهجة ومتوسع فيها عند الأجيال السابقة، وإنَّما طُرِحت جديدًا في كتب العقائد، وتحتاج إلى قراءة ودراسة متأنية حتى يُمكن أن يفهمها الإنسان .
🔹 أما أن يقول القائل : إنَّ علماء التراجم وعلماء الرِّجال لم يذكروا مقام العِصمة أو مقام النيابة عن المعصوم؛ لأن كتب التراجم الموجودة عندنا هي البعض وليس الكل، فما لم يُطبَع كثيرٌ، بل في المطبوع من الكتب المتوسعة أُشيرَ إلى مقامات عظيمة لزينب (ع) .
– ينبغي هنا الإشارة إلى أمرين :
🔺 الأمر الأول : إنَّ الدين ومواقع الأولياء من العَظمة بمكان بحيث يتعذر على علماء جيلٍ أو أجيال أن يقرؤوا كلَّ الدِّين وكل مواقع الأولياء . الدِّين لم يُخلَق للأرض، بل خُلِق لكلِّ المواقع العالمية والكونية، في الدنيا دين، وفي البرزخ دين، في القيامة دين، في السماوات دين، في الجنة الأبدية دين . إذًّا الدين هو دين العوالم فما سنفهمه من أسرار أبعاد الدين سيكون القليل وليس الكثير، فضلًا عن الإحاطة بكلِّ الدِّين .
💡 مَن يعتقد أنَّ ما وصل إلينا أو ما استنبطه الفقهاء أو المفسِّرون هو كلُّ الدِّين وكلُّ شؤون أولياء الدِّين فهو لم يفهم ما هو الدِّين، فيظن أن الدين عبارة عن كُتَيِّب مرصود البنود يُمكن الإحاطة به .
🔺الأمر الثاني : المطالب العقائدية سنخ مطالبٍ لا تُفهَم إلا بتتابع الأبحاث والدِّراسات، أليس الآن علم الطِّب يتكامل بالدِّراسات وبحوث العلماء ؟ . كذلك معرفة الدِّين تحتاج إلى تتابع أبحاث، فإذا لم يُشَر في الماضي إلى مقامٍ للعباس (ع)، الآن يأتي بعض المحقِّقين ويقول له هذا المَقام أو يقول لزينب هذه الدرجة، ولا يُقال له هذا جاء بأمرٍ جديد ومُبتَدع، بل يُقال : لقد اكتشف خفايا كانت خافية على غيره من العلماء .
💡 لا تكونوا مثقفي جيل سابق، إذا كنت مثقف جيل سابق، الآن عندما تسمع بعض الكلمات لا تُناسبك؛ لأنك لا تتابع الثقافة الحوزوية، فالثقافة الحوزوية تتطوَّر .
ويحدث أحيانًا صِراع بين العالِم والمثقف، لأن العالم يستمر في تتابع الأبحاث والدراسات، بينما المثقف يظل ماكثًا على بعض الكلمات الهامشية التي سمعها .
🔷 هل تُنسَب العصمة لزينب (ع) أو لا ؟
هناك فئتان نفت العصمة عن زينب (ع) :
▪️ الفئة الأولى : علماء الكلام من السُّنَّة؛ لأنَّهم لم يُثبِتوا العِصمة إلا للأنبياء، فما وراء الأنبياء من أئمة أو من هم دون الأئمة ليس لهم عِصمة .
▪️ الفئة الثانية : فئة من الشِّيعة قالوا : لدينا الدليل الواضح على عِصمة الأنبياء والأئمة، فلو قُلنا بعِصمة غيرهم فقد أشركناهم في دائرة الأنبياء والأئمة، ولا يصحُّ بحال أن نساوي بين مَقام النبوة والإمامة ومن هم أدنى من هذين المقامين، لذلك نفوا أن تكون زينب (ع) معصومة . هذا الكلام سطحي للغاية؛ لأن الذي قال هذا الكلام ظنَّ أنَّ العِصمة رُتبة ودائرة واحدة، فإذا صار غير الإمام معصوم سيدخل في دائرة الإمام وهذا غير صحيح .
💡 علماء المنطق يقولون : العِصمة كُلِّيٌّ مُشَكِّك .
يعني حقيقة لها صفوف ودرجات وطبقات، فعندما نقول النبي معصوم، والإمام معصوم، غير الإمام معصوم، لا نوحِّد بينهم في الدرجات؛ لأن العِصمة طبقات. لذلك قال بعض العلماء : لا نستطيع أن نعدُّد كم مرتبة من العِصمة . الله بعث 124 ألف نبي، وقال في كتابه : [وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ] . يعني العِصمة لها 124 درجة . وإذا قلنا بعِصمة النُّجوم من أبناء أهل البيت (ع) يزداد العدد .
🔺 كيف نُثبِت أن العصمة ذات درجات ومراتب ؟
🔹 أهل العلم قالوا : العِصمة تتولد من العلم، إذا صار العِلم شديدًا تولَّدت منه العِصمة، إذا رجعنا إلى روايات أمير المؤمنين (ع) وجدناه ينسب إلى العلم ثمرات كثيرة .
▫️ مثلًا يقول (ع) : ثمرة العلم الاستقامة، ثمرة العلم العبادة، ثمرة العلم حُسنُ الخلق، ثمرة العلم الحِلم، ثمرة العلم العمل به . إذًا ثمار العلم كثيرة، فإذا جمعناها ولَّدت في ذات الإنسان عِصمة عن الذنوب .
🔹 العلم الذي يولِّد العِصمة، هل العلم على درجة أم درجات ؟
▫️ العلم على درجات، فإذا كانت العِصمة ثمرة الِعلم، والعلم على درجات، تكون العِصمة على درجات، فلا يُمكن أن تقول أنَّ عِصمة إدريس وإبراهيم ويوسف ونوح هي كعِصمة محمد (ص) .
▫️ استنتج الإمام الصَّادق (ع) أعظمية علي في العصمة على سائر الأنبياء – إلا النبي محمد (ص) – .
سأل الإمام الصَّادق(ع) بعض أصحابه : ماذا يقولون في أولي العزم وفي صاحبكم أمير المؤمنين (ع) ؟ قال : إنَّهم لا يقدِّمون على أولي العزم أحدًا .فقال الإمام (ع) : فإنَّ الله يقول في موسى [وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ] فقال من كل شيء ولم يقُل كل شيء، وقال في عيسى
[وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ] فقال بعض وليس كل، لكن قال في علي (ع) : [ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ] فقال علم الكتاب ولم يقل علم من الكتاب، فما دام عنده الكل من العلم وعندهم البعض، والعلم هو الذي يولِّد العِصمة، يكون اعتصام علي أعظم من اعتصام أولي العزم .
▫️آية البحث : [ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ] . الصبر واليقين درجات، وهما قاعدة الإمامة والعِصمة، فكلَّما ازدادا كلَّما زادت العِصمة .
💡 إذًا العِصمة درجات، وإذا أثبتنا العِصمة لزينب فنحن لا نجعل زينب في دائرة الأئمة أو في دائرة الأنبياء .
🔷 أربع أنواع من العِصمة ذكرها العلماء :
▫️الدرجة الأولى : العِصمة بالمعنى الأعم
– في الأمور التكوينية : ثبتت العصمة في بعض الأشياء إلى كلِّ عاقلٍ رَشيد، هل تجدون عاقلًا رشيدًا يُقدِم على أكل النَّجاسة ؟ لا ؛ لأن عنده علمٌ شديدٌ بقذارتها .
– في الأمور التشريعية : كثير من النَّاس كالفقهاء وصلوا إلى مَقام العَدالة ( إتيان الواجبات والانتهاء عن المحرمات) ، لذلك في بعض الأدعية ورد : واعصمني فيما بقي من عمري . يعني مَلكة العَدالة، اجعلني ممن هو دائمًا وأبدًا يميل إلى الطاعات وينتهي عن المعاصي.
▫️ الدرجة الثانية : العِصمة بالمعنى العام
– عِصمة في الأفعال، ليس فقط لا يأتي بمحرم ولا يترك واجب، وإنَّما لا يأتي بمكروه ولا يترك مُستحب ولا يتصور حتى الصور القبيحة، ولا شكَّ أن زينب والعباس والأكبر والقاسم لديهم عِصمة أفعالية .
▫️ الدرجة الثالثة : العِصمة بالمعنى الخاص
– هذه هي عِصمة الأنبياء، وهي عِصمة ذاتية، فاللَّه بعطائه وبعنايته ركَّب فيهم العِصمة لأنه أعطاهم علوم لدُنِّيَة ، لا يرتكبون لا خطأ ( فِكِر ) ولا خطيئة ( عمل ) .
▫️ الدرجة الرابعة : العِصمة بالمعنى الأخص
– ثابتة لرسول الله (ص) ولفاطمة (ع) وللأئمة المعصومين ، عِصمة ذاتية بعناية وعلم لدني من الله، عِصمة في الفِكر والعمل، لا يتحقق منهم مُخالفة الأولى، بينما الأنبياء صدر منهم مُخالفة الأولى، وما من نبي إلا عوتِب بسبب مخالفة الأولى، أما أهل البيت (ع) فلم تتحقق منهم ولا في مورد واحد مُخالفة لأولى ( الأولى بالتصرف عند الله يفعلونه ) .
▫️ ثبت الآن لزينب عِصمة أفعالية، بل بعض العلماء نسب ما فوق العِصمة الأفعالية، يعني عِصمة تقترب من عِصمة الأنبياء؛ لأن الإمام السَّجاد (ع) قال لها : أنتِ بحمدالله عالِمة غير مُعلَّمة . يعني زينب مستودع علوم لدنية إلهية فعصمتها فوق العِصمة الأفعالية .
🍁 سُئِل بعض الفقهاء : هل يُمكن أن يصِل الفقهاء لعِصمة زينب ؟ قالوا : مستحيل . لأن زينب (ع ) تربَّت في حِجر أمير المؤمنين (ع)، وتعاقبت عليها أيادي المعصومين ومن ثم ذلك امتُحنت بأعظم امتحان وهو امتحان كربلاء الذي صقل فيها كل مراتب الكمال والسمو، فسقطت الرَّاية من يد الحُسين (ع) ولكن سلَّمها بيد زينب .
حسينية أبو صيبع