الإثنين , 29 يونيو 2026

ملخص محاضرة الشّيخ حسن العالي – ذكرى شهادة الامام علي السجاد (ع) – ليلة 25 من شهر محرم الحرام 1443 هـ

محاضرة الشَّيخ حسن العالي
25 محرم 1443 ه‍

▪️ الإمامة موقع عرشي وأرضي ▪️

🍁 قال رسول الله (ص) : الأئمةُ أمناء ربِّي وحبلٌ ممدودٌ بينه وبين خلقه .

🔺 سؤال البحث :
🔹ثمة سؤال مهم يُطرَح مفاده : لماذا تُصرُّ الشيعة في باب الإمامة والقيادة على نموذج أهل البيت (ع) فحسب ؟ لماذا يحصرون الإمامة بهم دون غيرهم ؟
بصياغة أخرى : نلحظ أنَّ أكثر المسلمين يؤمنون في باب الإمامة والقيادة يؤمنون برموز متعددين لا يتشابهون في الهوية ولا يتحدون في الجوهر، بينما الشيعة تؤمن فقط بنموذج أهل البيت (ع) الذين هم جوهرٌ واحد وهويةٌ واحد . لماذا ؟

🔺 الإجابة :
🔹 نحن كمسلمين نحتاج الإمامة والقيادة لأي شيء ؟ هل نريد من الإمام أن يرسم لنا خريطة جغرافية للأرض ؟ هل نريد من الإمام أن يظفر بنا عند النزاعات العسكرية والسياسية ؟ هل نريد الإمام لأجل البناء الاقتصادي والحداثة العمرانية ؟ أم أننا نريد الإمام في الأساس لكي يُؤمِّن لنا السعادة والكمال ؟ هل نريده لرفاهية الأرض أو نريد من الإمام أن يُؤمِّن لنا العلاقة والاتصال بالسماء والعرش ؟

💡 الهدف الأكبر من القيادة الدينية والإمامة تأمين الاتصال الحقيقي بين الأرض والسماء، بتعبير الفلاسفة :
أن يذهب بالفَرْش إلى العَرْش . هل يمكن لكل قيادة ورمز أن يُؤمِّن هذه العلاقة أم نحتاج إلى رجل عرشي حتى يرفعنا إلى العرش ؟

🔹 إذا جعلت بينك وبين الله قناة بشرية مسجونة ومخنوقة بسجن الطبيعة لا يمكن أن تؤمِّن لك الصلة والاتصال مع العرش، يمكن أن تكون قيادة دنوية، يمكن أن تظفر بك في نزاعات سياسية، أما أنها تؤمن لك السعادة التي يريدها الله فلا بدَّ أن يكون فيه صفة العرشية والملكوتية .

❌ لا تقل اشتراط صفة العرشية في الإمام من مختصات الشيعة، لا يؤمن بها أحدٌ من المسلمين إلا الشيعة، فهذا ليس من مختصات الشيعة وإنما هو أمر عقلائي . كلُّ مَن فهم مقدمات المسألة وعرِف دور الإمامة والهدف الأساس لا بدَّ أن يؤمن بعرشية الإمام ، حتى المشركين في الجاهلية أدركوا هذه المسألة .

🔹 لما بعث الله لهم الرسول (ص) قالوا : إذا كان الله يريد صلتنا بالعرش لا بدَّ أن يُنزل علينا مَلَكًا . لأن فكرتهم صحيحة فقالوا : تريد أن تؤمن لنا العلاقة مع السماء لا بدَّ أن تكون أنت مَلَك وتكون لك جهة عرشية . فلم يُخطِّئهم القرآن في هذا الطلب، فقال لهم تبارك وتعالى : [وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا] . كبار العلماء كالمجلسي فهم من ذلك أنَّ رسول الله (ص) له بُعد الملكوتية والعرشية، وإن كان في صورة ولباس البشر .

🔸 النصوص والروايات وصفت القرآن وأئمة أهل البيت (ع) بوصفٍ مشترك (العرشية والملكوتية والسماوية ) ، يقول (ص) : وإنَّي تاركٌ فيكم أمرين، أحدهما أطول من الآخر، كتاب الله حبلٌ ممدودٌ بين السماء والأرض، وعترتي .
بعض المحقِّقين من العلماء قال : لم يقل هما حبلان، وإنما حبلٌ واحد . يعني من جهة السماء له ملكوتية ومن جهة الأرض له صفة الأرض ولِباس البشر .

🔸 يقول (ص) في وصف الأئمة : الأئمة من وِلد الزهراء (ع) أمناء ربي وحبلٌ ممدودٌ بينه وبين خلقه .
الحبل له طرفان يعني لهم جنبة ملكوتية وأرضية .

🔸 في دعاء الندبة تقول : أين السبب المتصل بين الأرض والسماء ؟
كيف يكون سببًا متصلًا بين الأرض والسماء إذا كان هو موجود محض أرضي ليس له إلا أبعاد الأرض والمادة ؟ إذًا هو إمامٌ ملكوتي عرشي .

🔸 صفة العرشية والملكوتية وصفٌ عام لكل أهل البيت (ع) حتى الزهراء (ع) . أعظم تعريف للزهراء أنَّها سيدة عرشية وهذا معنى ( حوراء أنسية ) .

💡 لن تجد مذهبًا من المذاهب غير الشيعة التفت إلى ضرورة وصف العرشية في الإمام، لذلك لما جاؤوا وعرَّفوا الإمامة عرَّفوها تعريفًا خاطئًا فقالوا : الإمام قائد في تسيير شؤون الدنيا، وفي إقامة حدود الدين .
لكن الشيعة قالوا : الإمام رجلٌ عرشي ملكوتي مبعوث من الغيب لإقامة الدين ولتسيير شؤون الدنيا

🔹 لماذا اختلفت شرائط الإمامة عند الشيعة عن شرائط الإمامة عند غيرهم ؟
أعظم شرائط الإمامة لا يقول بها الآخرون، وهذه الشرائك ليست محض تعبد بل يفرضها واقع قيادة الإمامة إلى الله، اشترط الشيعة في الإمام أن يكون معصومًا وصاحب علم لدني ويعيَّن بالنَّص؛ لأنه لو لم يكن معصومًا لم يكن عرشيًّا، لو لم يكن له علوم لدنية لا يكون عرشيًّا، لو لم يُنَص عليه من رسول الله(ص) ما عرفنا أنه ذو جنبة عرشية .

🔶 إذا عرفت ذلك تترتب نتائج كثيرة :

🔹 النتيجة الأولى : صدور الأفعال الغريبة والكرامات الخارقة من أئمة أهل البيت (ع)
▫️ هذه المسألة مسألة إشكالية عند المذاهب الأخرى أو عند بعض مدَّعي الثقافة، فاتُهم الشيعة بالخرافة والأسطورة، يُردِّدون ذلك وللأسف ينطلي على بعض شبابنا هذه الإشكالية بأنَّ الشيعة يرتفعون بأئمتهم إلى الغُلُو؛ لأنهم يقولون أنَّهم يفعلون الأفعال الغريبة ولهم كرامات خارقة .
▫️ من حق السُنِّي أن ينكر الأفعال الغريبة والكَرامات الخارقة؛ لأن خلفيته عن الإمامة تلك الخلفية التي قلناها ( أنَّه إمام لإقامة حدود الدين وتسيير شؤون الدنيا )، إذا ناقشك أحد في الأفعال أو الكرامات أو المعاجز الصادرة من أهل البيت(ع) قل له تعال معي إلى علم الكلام نعرِّف الإمامة أولًا ، فإن صحَّ تعريفك فإن الكرامات والمعاجز أسطورة، وإن صحَّ تعريف الشيعة فإنَّ الكرامات والمعاجز حقيقة .

🔺 قد يقول قائل : إن الأفعال الغريبة أو الكرامات إنَّما هي من طبيعة الموجودات الملكوتية . فلو نسبت لملك معجزة فهذا أمر عادي .
💡إذا أثبتنا صفة العرشية إلى الإمام يعني لديه جانب أرضي وجانب ملكوتي يكون التقبل والإيمان بصدور المعاجز منهم أمر اعتيادي طبيعي، ومن السطحية بمكان أن أرفض المعاجز أو الكرامات والحال أنَّني لم أُشخِّص شخصية القيادة في الإمام في علم الكلام . إذا أثبتنا للإمام صفة عرشية فهو يرتبط بالملكوت والمعاجز من طبيعته .

🔹 النتيجة الثانية : صفة العرشية والمستقبل
هل هناك ترجمة عصرية لصفة العرشية ؟ هل هناك تطلع وأمل بشري في إمام قائد له صفة العرشية أو لا ؟

💡 علينا إذا أردنا أن يتعقَّل الآخرون معارف مذهبنا، علينا أن نترجمها لهم بترجمة عصرية .

▫️ هناك تطلع وأمل عند البشرية في الإمامة التي يرجعون إليها، فالبشرية تميل إلى القائد الذي يستطيع أن يستشرف المستقبل أي يقرأ المستقبل البعيد .

▫️ على صعيد الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية : الذي يرشِّح نفسه يقدِّم برنامجًا انتخابيًا والبرنامج الانتخابي في الدول الحقيقية يمثِّل الدور الحاسم في اختيار مرشح على آخر . لو قدَّم أحد المترشحين برنامجًا انتخابيًا يخدم تطلع تلك الدولة 50 سنة إلى الأمام بينما قدَّم الآخر برنامجًا انتخابيًا له استراتيجية بعيدة يخدم تلك الدولة 100 سنة ، والثالث قدَّم برنامجًا يُحقِّق الرفاه والسعادة في مقدار 250 سنة ؟ فالناس ينتخبون من ؟ ينتخبون من يقدر على إعطاء تصور يحقِّق الرفاه في المسافة البعيدة، فالبشرية تريد قائدًا يقرأ البعيد .

▫️ الإمام العرشي لا يؤمن لك سعادة أو رفاه أو معرفة مقدارها 100 سنة، لا يؤمن لك توهج الروح في مقدار 100 سنة، العرشية في الإمام تعني أنَّه قادرٌ على رسم المستقبل الأبدي، يؤمن لك العلاقة مع السماء أبدًا وأزلًا. فاشتراط العرشية ليس معناه أنَّنا نبالغ في مقام الإمام بل نريد قيادة حقيقية مستقبلية؛ لأن القائد الديني هو الذي يعطيك التصور المعرفي العقائدي وهذا التصور قراءة للمستقبل، إما أن تكون قراءة إلى ما بعد الجنة، وإما أن تكون قراءة خاطئة .

🔺سؤال : إذا كان للإمام صفة العرشية لماذا صدرت منهم (ع) أحوال غريبة قد يلاحظ البشر تهافتها مع صفة العرشية ؟ مثلًا تنسبون للإمام السجاد (ع) طول بكائه على الحسين (ع) وطول انفعاله بحدث كربلاء . أليس هذا الانفعال الشديد والبكاء الرتيب يُناقض صفة العرشية في الإمام ؟

▫️ هنا أخطأ بعض العلماء عندما قال : إنَّ بكاء الإمام زين العابدين (ع) كان بدافع الطبيعة، والطبيعة تكسر اختيار وإرادة الإنسان . فالبكاء على موت الأقارب طبيعة وهذه الطبيعة تكسر الإرادة، فلماذا نتساءل عن شيء كسر الطبيعة والاختيار؟
▫️ جاء البعض وأشكل : إذا كان أصحاب الرِياضات قادرين على التغلب على الدوافع الطبيعية بتغليب الدوافع الإلهية، فهم يكسرون الطبائع لأن هناك دافع إلهي قال لهم اكسروا الطبيعة، كثير من أهل المجاهدات قد يفقد ولدًا عزيزًا لكنه يمكن أن يسلو عنه إذا غلَّب الدافع الإلهي على الدافع البشرية . فكيف بأهل البيت (ع) الذين لهم صفة العرشية ؟ لماذا لا يكسرون الدافع البشري بالدافع الإلهي ويكون الله عندهم أعظم من كل شيء ؟

🔹 يجيب العلامة المجلسي في كتابه ” جلاء العيون ” :
إنَّ بكاء المقربين بعضهم بعضًا لم يكن بدافع الطبيعة البشرية،وإنَّما بدافع الداعي الإلهي . فزين العابدين (ع) كان يعلم من الحسين ما خفي على غيره، وكان يرى الحسين أحبَّ الخلق إلى الله، وأنَّ قتله طمسٌ للدين وظلال للناس . فالبكاء على الحسين بهذا الدافع أليس هو بكاء بدافع ملكوتي ؟

💡 كثير من الإشكالات التي تُطرَح على المنابر والخطباء وليد غياب القواعد التي تُطرَح عبر سنوات طويلة، لو كانت تُحفَظ هذه القواعد لانتهت كثير من الإشكالات والشُبهات .

🔺 إشكال : يأتي أحد ويقول إنَّ الطب النفسي والعادة البشرية حاكمة أنَّ تغلُب صفة في الإنسان تعطِّل الصفات الأخرى، العادة أنَّ الذي يدخل في بركان من العاطفة لا يستطيع أن يقرِّر قرارات حكيمة . من العادة أنَّ الذي يُداخله بركان الغضب يتعطل عنده حس التعقل . ويحمل هذا المَطلب ويُسقِطه على أئمة أهل البيت (ع) فيقول لك : إذا تقول داخَلَ الحسين (ع) بركان عاطفي في وداع الأكبر، كيف كان الحسين يقود المعركة قيادة حكيمة ؟ إذا تقول أن بركان العاطفة داخلَ زينب فكيف من جهة أخرى تقول أنها جبل من الصبر ؟ إذا تقول أن 35 سنة عاشها الإمام السجاد (ع) في بركان عاطفي ومصيبة راتبة كيف كان يسيِّر شؤون الإمامة ؟

🔹 يقول العلماء : خصوصية أهل البيت (ع) التوازن بين بحور الصِفات، يعني يكون في بحر عاطفي هائج ولكن هو في عين الهياج العاطفي في قمة العقلانية، هو في قمة غضبه وانفعاله هو في قمة التعقل .

🔹 قال بعض العرفاء : إذا رأيت رجلًا توازنت عنده بحور الصفات اعرف أنَّه رجل عرشي ملكوتي وهذا لا يقتدر عليه أي أحد، فحتى الفقهاء إذا صعد في العلم ليس بالضرورة أن يصعد في الشجاعة، إذا صعد في الشجاعة ليس بالضرورة أن يصعد في الحكمة . هذا في الفقيه باعتباره غير معصوم و في تلامذة أهل البيت (ع)، لكن إذا جئت لأهل البيت تصعد الصفات جميعًا عندهم في آنٍ واحد .

▫️ زيارة الغدير تصف أمير المؤمنين (ع) : هائج الغضب، كاظم الغيظ . فهو هائج الغضب لكن إذا كانت المصلحة مع هيجان الغضب أن يكون كاظم الغيظ، يجمع بين الأمرين .
▫️الحسين (ع) في بركان العاطفة مع علي الأكبر لا كولد وإنَّما لمقامه العظيم، هو في قمة العقلانية والتوازن . وهذا هو الاحتفاظ بقممية الصِفات في آنٍ واحد .

🍁 الإمام السَّجاد (ع) في بركان هياجه العاطفي مع مصيبة الحسين (ع) وفي كل حياته كان نموذج الإمام الآخذ بالأمة نحو التكامل .

شاهد أيضاً

الشيخ جاسم الدمستاني | ذكرى رحيل منقذ البشرية رسول الله محمد (ص) | يوم 28 صفر 1443 هـ