محاضرة الشَّيخ حسن العالي
7 صفر 1443 ه
▪️ تراتبية الحجج والواجبات الإلهية ▪️
🍁 عن زُرارة أنَّ أبا جعفر الباقر (ع) قال : بُني الإسلامُ على خمسة أشياء، على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية . فقال زُرارة : وأيُّ شيءٍ منها أفضل ؟ قال : الولاية أفضل؛ لأنها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن .
🔹 المَسلك المتداول في تصحيح الروايات هو المنهج السَّندي أي تتبع أحوال رجال سند الرواية، إلا أن هناك منهجًا مغفولًا عنه ولا يُتداول كثيرًا وقد أشار إليه بعض المحقِّقين المعاصرين وهو استلهام البُرهان العقلي المودَع في الرويات سواء كانت روايات اعتقادية أو فقهية أو أخلاقية، ثمة برهان يودَع في الرواية . فإن كان البرهان الذي في الرواية يوافق العقل القطعي كان ذلك البرهان دليلًا على اعتبار مضمون الرواية، وإن كان البرهان الذي في الرواية مخالفًا للعقول القطعية دلَّ ذلك على سقوط الرواية في دلالتها ومضمونها .
🔹 بالبرهان العقلي تستطيع أن تُخاطب المؤمن بالشريعة وبالنصوص وغير المؤمن، يمكن أن تطرح له رواية فقهية أو أخلاقية وتبيِّن برهانها العقلي فيكون مُلزَمًا بها حتى لو يؤمن بالشريعة، لأن العُمدة في صحة الرواية البُرهان العقلي الذي لا يختلف فيه إنسان عن إنسان .
🔶 الرواية التي تلوناها رواية عظيمة فضَّلت الرواية على سائر التكاليف الأربعة التي نطقت بها الرواية، وبيَّنت برهانين عقليين على أفضلية الولاية على التكاليف الأخرى، فهذه الرواية لا تريد منك أن تؤمن بسِبق الولاية على التكاليف تعبُّدًا وتسليمًا فحسب، وإنَّما تريد منك أن تقف على البرهان الذي يخاطب العقل .
🔸 الدليل الأول : قوله (ع) الولاية أفضل؛ لأنها مفتاحهن
▫️ الولاية عقيدة وفكرة، بينما التكاليف الأخرى هي عمل (الصلاة، الحج، الصوم، الزكاة ) ومعلومٌ بضرورة العقل أنَّ العقائد والعلم يسبق العمل، لا يمكن أن تعمل عملًا صحيحًا إلا بعلمٍ صحيح، فالعلم مفتاح العمل . فالإمام (ع) يقول : الولاية أفضل لأنها تفتح باب العمل .
▫️ التكاليف الشرعية (الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة) أمور ملكوتية وتكاليف سماوية، السيِّد الطباطبائي في ” الميزان” بيَّن أنَّ كلَّ تكليفٍ إلهي له قالبٌ مرسوم في عالم السماء، يعني الحج في الدنيا له حجٌ ملكوتي، وحجُّ الدنيا على مثال حج السماء، والصلاة كذلك وهكذا .
فهذه التكاليف ملكوتية، وكيف تعرف السماوي والملكوتي إلا برجلٍ سماوي وملكوتي ؟
💡 رواية الباقر (لأن الولاية مفتاحهن)، نظير قول رسول الله (ص ) : أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها . هذه الرواية ليست محط تعبد، وإنَّما فيها برهان عقلي، يقصد بها مدينة العلم البشري أم مدينة العلم الوحياني ؟ مدينة العلم الملكوتي أم مدينة العلم الأرضي ؟ إذا كانت مدينة علم وحياني . هل يستطيع كلُّ أحدٍ من الصحابة أن يكون بابًا لها أو مدينة العلم الوَحياني تحتاج إلى رجلٍ وَحياني ؟
🔸 الدليل الثاني : قوله (ع) والوالي هو الدليل عليهن
فإنَّ العقل يحكم باستحالة بقاء واستمرار القانون أو الدستور بلا أن يكون هناك قيِّم ووالٍ عليه، وتجارب البشر بين يديه، وواقع البشرية مع الرسالات السماوية ببابنا واضحٌ . ألم تزيد البشرية الرسالات السماوية بزيادات مغيِّرة للجوهر بعد غيبة الأنبياء وموتهم ؟
فالوالي على الدستور له وظائف .
▫️ الوظيفة الأولى : حفظ القانون عن التغيير والتبديل ..
▫️ الوظيفة الثانية : أن يرفع الالتباسات والشُبهات التي يمكن أن ترِد على القانون أو الشريعة .
▫️ الوظيفة الثالثة : أن يعلَّم الناس كيف يطبقون ذلك الدستور في واقعهم .
💡 لو عثرت على كنزٍ عظيم في أرضٍ نائيةٍ ، ألا تجعل عليه دليلًا وتنصب إشارة له ؟ لقد جاءنا رسول الله (ص) وهو الوليُّ الأعظم بكنوز المعارف الإلهية فلا بدَّ أن ينصب لها دلائل وإشارات تدلُّ عليها كلما أوشكت الأمة أن تتيه عن أصالة التشريع والدين، يأتي الولي ليُرجِع الأمة إلى مسارها الصحيح وبوصلتها الحقيقية .
🔹 الولاية مفتاح التكاليف، والولي دليل على التكاليف، وللولاية دورين أساسين : دورٌ في التأسيس ( الإتيان بالتكاليف)، ودورٌ استشرافي مستقبلي في حفظ القانون الإلهي والدستور السماوي عن التغيير والتبديل .
🔶 الرواية السابقة تُريد أن تشير لمطلب أساسي وهو وجوب تراتبية الحُجج، فهناك كثير من المسلمين يظنُّ أنَّ الدِّين عبارة عن رُكام من الأوامر والنواهي، ولا يرى أوزان ومقادير وقيِّم مختلفة لتلك الأوامر والنواهي، يُؤمن بالعقائد وبالفقه والأخلاق، إلا أنَّه يعطيها جميعًا نسبة واحدة للدين، فيقول كلها واجبات، وهذا عدم المراعاة لتراتبية الواجبات والحجج والأوامر الإلهية، وهذه سَقطة عظيمة إذا وقع فيها الإنسان يمرق عن الدِّين، يكون مسلمًا ولكن ليس بالإسلام الحقيقي .
🔹 علماؤنا عندما جاؤوا إلى هذه الخانات ( العقائد، الفقه، الأخلاق ) قالوا : إنَّ الدين على خانات وصفحات وطبقات، سُميِّت العقائد بالفقه الأكبر، والفقه بالفقه الأوسط، والأخلاق بالفقه الأصغر . وهذا معناه أنَّ المسلم إذا دخل إلى الدين لا بدَّ أن يؤمن بتراتبية واجبات الدِّين، وإنَّما أُصيبت الأمة من التاريخ الأول إلى الآن بالانحراف عندما سقطت هذه القاعدة ( تراتبية التكاليف ) .
🍁 في كتاب ” المصنَّف ” لابن أبي شيبة : بينما رسول الله (ص) جالسٌ بين أصحابه، وإذا قد أشرف عليهم رجلٌ فذكروه إلى رسول الله (ص) بخير . فقال رسول الله(ص) : إنَّ في وجهه سُفعَة شيطانٍ . فلما أقبل تقول رواية لم يسلِّم على رسول الله (ص)، وفي روايتنا أنَّه سلَّم على رسول الله (ص) فقال له (ص) : أحدَّثتك نفسك أنَّه لا يوجد رجلٌ بين الحاضرين أفضل منك ؟
قال : نعم . ثمَّ ولَّى . فقال رسول الله(ص) لأصحابه : من منكم يقتل هذا الرجل ؟ قال أبو بكر : أنا . فقام ورجع، وقال : يا رسول الله، لقد رأيته يصلي فلم تشايعني نفسي على قتله . فقال رسول الله : من منكم له ؟ قال عُمَر : أنا . فذهب ورجع، وقال : يا رسول الله، لقد وجدته ساجدًا فلم تشايعني نفسي على قتله . فقال رسول الله : من منكم للرجل ؟ فقال أمير المؤمنين (ع) : يا رسول الله، أنا له . فقال : يا علي، أنتَ له إن أدركته . فقام علي ورجع، وقال : يا رسول الله، لو أدركته لجئتك برأسه . فقال رسول الله (ص): لو قُتِل هذا ما اختلف منكم رجلان .
🔸 الدلالة الأولى للرواية :
قال العلامة شرف الدين : هذه الرواية من مواطن تقديم الاجتهاد الشخصي على النص النبوي . فالأول اجتهد وعارض النص، والثاني اجتهد وعارض النص . وأقول : هذه الرواية من شواهد انقلاب الأولويات وتراتبية التكاليف، فقدَّم أمر الصلاة والسجود على أمر رسول الله (ص)، فكانت ولاية النبي مُؤخَّرة ولكن الفروع ( الصلاة أو السجود ) مُقدَّمة .
🔸 الدلالة الثانية للرواية :
ماذا فعل هذا الرجل ؟ بعض الرويات تقول لم يسلِّم على النبي، وهذه الرواية تقول حدَّث نفسه على مستوى الخطور بأنَّه أفضل من رسول الله (ص) . إذا لم يسلِّم على النبي فقد احتقر النبوة، وإذا حدَّث نفسه بأنَّه أفضل فهذا مُروقٌ عن الدين، وخللٌ كبير في العقيدة .
🔸 الدلالة الثالثة للرواية :
هذه الرواية تلتقي مع روايات شيعية، بعضها في كتاب ” البحار “: أنَّ العامل على غير ولايةٍ، تنقل أعماله إلى وبالٍ وحيَّاتٍ وجحيم وعذاب .
فالصلاة من المصلي على غير ولاية تنقلب وبالًا، حتى بعض الشيعة قد يتعجب من ذلك، ونرجع إلى الرواية السابقة عندما لم يكتفِ رسول الله (ص) بإلغاء اعتبار صلاته وسجوده، وإنَّما أمر بقتله، وهذا معناه أنَّه لمَّا أخَّر ولاية رسول الله (ص) أخَّر العقيدة وقدَّم الفقه، وهذا أوجب أن تنقلب صلاته وسجوده إلى وبالٍ عليه .
🔸 الدلالة الرابعة للرواية :
قوله (ص) : لو قُتِل هذا ما اختلف منكم اثنان ، إشارة إلى بركات قاعدة ” تراتبية الحجج” يعني أنَّ لو هذا الرجل بما يسلكه من مَسلك تقديم الفقه على الولاية والعقائد قُتِل فلن يتحقق اختلافٌ، يعني أيها المسلمون اعلموا أنَّ انبثاق المذاهب والانقسام بينكم كله سيكون ويحصل على أساس ضياع تراتبية الحجج، ستقدمون الفقه على العقائد، أو الأخلاق على الفقه، عند ذلك ستنشأ المذاهب . وهذه الرواية فيها إشارة إلى ملحمة مستقبلية، إذًا الأمة ستتبع مَسلك هذا الرجل وتعتبر الدين ركامًا بل ستؤخر أمر الإمامة والولاية، وعند ذلك سترجع الأمة عن أصالة الدين إلى دين فيه ابتداع .
🍁 هذه الملحمة وقعت وأشكل إشكالية وقعت في الأمة هذه القاعدة، إذا قلت لخِّص لي الفرق بين مدرسة أهل البيت (ع) والمدارس الأخرى فإنَّ مدرسة أهل البيت راعت قاعدة تراتبية الحجج، بينما المدارس الأخرى انقلبت في الأوليات، لذلك سُلبَت حقوق أهل البيت، أُخِّروا عن الإمامة، وتأخيرهم عن الإمامة يعني انقلاب الحجج وتأخير ما حقُّه أن يتقدم، وتقديم ما حقُّه أن يتأخر .
🔺 ماذا أخذ معاوية من الحسن (ع) ؟ هل أخذ معاوية من الحسن مقطعًا سياسيًا في مواقع؟ أم أخذ منه كل النظام السياسي على كل الأرض؟ أو أخذ منه التأثير الحضاري ؟ وهذا السؤال يأتي في يزيد والحسين(ع) . وعدم اتضاح هذا السؤال جرَّ علماء المذاهب كابن تيمية للقول : إنَّ أغلب أئمة أهل البيت ليسوا بأئمة . وعدم اتضاحه أيضًا جعل بعض الشيعة في زمان الإمام الحسن (ع) يتجرأ على الإمام ويقول له : يا مذل المؤمنين أو يتهمه بالتخاذل بدعوى أنَّ الصلح بين الحسن (ع) والهُدنة مع معاوية تعني تسليم الأمر لمعاوية .
🍁 إنَّ الذي أخذه معاوية من الحسن (ع) وأخذه يزيد من الحسين (ع) مقطعٌ سياسيٌ على أقطار من الأرض وليست على الأقطار، فلم يأخذ منه كل النظام السياسي، وأما التأثير الحضاري فلم يُؤخَذ من الأئمة في أي مرحلة من مراحل إمامتهم . فهل استطاع أحد من أعداء أهل البيت أن يقبض على التأثير الحضاري الأبدي في الأمة أم أنَّ الحسن والحسين هما لا زالا يتصرفان في عقول ومفاهيم الأمة ؟ . الحكم السياسي مجرد مرحلة تمهيد والأهم في الإمامة التأثير الحضاري يعني بقاء روح وتعاليم وجوهر الأئمة حاكم في الأرض، بينما أعداؤهم ليس لهم أي تموجات فكرية على البشر .
حسينية أبو صيبع