الخميس , 7 مايو 2026

ملخص محاضرة الشّيخ حسن العالي – ليلة 1 من شهر محرم الحرام 1444 هـ

محاضرة الشيخ حسن العالي
١ محرم ١٤٤٤
بعنوان : || تواتر البكاء خُلُقٌ ملكوتي ||

◼️ روى المشهدي في مزاره عن الصادقين (ع) في زيارة أئمة المؤمنين : بل يتقرب أهل السماء بحبكم وبالبراءة من عدوكم وتواتر البكاء عليكم والاستغفار لشيعتكم ومحبيكم.

🔷يشتمل هذا النص العظيم على مجموعة من المعاني المهمة، نتعرض في هذا البحث لواحد من المضامين العالية جدًّا وهو أن تواتر البكاء على مصائب أهل البيت وبالخصوص على المصائب الحسينية سجية وطبع ملكوتي، وتواتر البكاء يختلف عن أصل البكاء ( أن يبكي مرة) أو التواتر فهو التواصل والتلاحق. وهذا المضمون دلت عليه مستندات روائية كثيرة :

🔸من تلك النصوص ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات عن الصادق(ع) أنه قال : ما رقأت ( بمعنى جفَّت وبردت) دموع الملائكة منذ أن قُتلنا.
🔸 وفي الرواية عن صفوان الجمال قال صحبت الصادق (ع) من المدينة إلى مكة فرأيته في حالة غريبة ونحن في الطريق فقلت له : يا ابن رسول الله، ما لي أراك حزينًا باكيًا منكسرًا ؟ فقال الصادق(ع) : لو كنت تسمع ما أسمع لشغلك ذلك عن مسألتي. قلت : يا بن رسول الله وماذا تسمع؟. قال : أسمع ابتهال الملائكة لله على قتلة أمير المؤمنين وعلى قتلة الحسين(ع) وإني لأسمع بكاء الملائكة المحيطة بالحسين، فمن يهنأ بشراب أو بنوم أو بطعام؟

💡 هذا يعني أنَّ شعيرة البكاء ليست مسؤولية عالم المُلك والدنيا فقط، وليست سجية ينبغي أن تكون من سجايا المؤمن في عالم الدنيا، وإنما البكاء على الحسين طابعٌ يطبع كل العوالم، للملائكة مجموعة من العبادات القُربية والعروجية التي بها يعرجون إلى الكمال وأحد تلك العبادات هي تواتر البكاء على الحسين.

🔺 أيُّ غفلة وضحالة فكرية ونقص معرفي في الدين يتميز به من يقول إنَّ فائدة البكاء على الحسين قد انتهت والحال أنَّ العلاقة العاطفية بالدموع والبكاء طبع من طبائع الملكوت.

🔷 اختلف العلماء في تعريف الكمال والسعادة فقالوا : الكمال أن تكون ملكوتيًا وأنت في الأرض، فمن يريد أن يرفع هذا البكاء يريد أن يقطع بيننا وبين عبادة العروج والقرب بيننا وبين الملائكة، لذلك كان البكاء سيرة متصلة في سيرة الإمام السجاد (ع)، فلم يكن الأئمة أهل بكاء على الحسين وإنما كانوا أهل تواتر البكاء على الحسين .

🔸 روى في كامل الزيارات أن غلام الإمام السجاد كان يقول له : أما آن لحزنك أن ينقضي؟ فهذا يعني أن حزن الإمام كان متواترًا متلاحقًا، وأراد الإمام أن يشعل جذوة البكاء المتواتر على الحسين حتى من مجلس يزيد، فقد نقل ابن أعثم في الفتوح، الخوارزمي في مقتله، وغيرهما أنَّ الإمام السجاد(ع) ظلَّ يعدد مناقب ومصائب الحسين في مجلس يزيد حتى حضر وقت الأذان فاستغل يزيد الفرصة وأمر المؤذن أن يؤذن فيقطع عليه كلامه. ولم يبرح الإمام المنبر وإنما استغل سكتات المؤذن فبعد كل جملة ومقطع من الأذان كان يعلق الإمام. فلما قال المؤذن : أشهد أنَّ محمدًا رسول الله (ص) قال الإمام : يا يزيد أمحمد جدي أم جدك؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته؟.

🔺 سؤال : أيهما يُقدَّم البكاء على الحسين أو أن يُقدَّم الأذان والصلاة؟

❓ قد يقول قائل : لقد زاحم الإمام بين الأذان وتعداد مصائب الحسين.

✅ سألتُ أحد الفقهاء هذه المسألة ولماذا الإمام لم يتوقف عند حضور وقت الفريضة فأجاب : الحالة الأولية أن يُبادَر إلى الصلاة ويُقطَع خطاب الرثاء إلا إذا كانت الحالة هي حالة تغييب وتعتيم على حقائق الثورة الحسينية، وقد كان يزيد يريد أن يطمس الحقيقة التي جرت في كربلاء والإمام (ع) يريد بكاء متواترًا مستمرًا لذلك أخذ يعدد المصائب الحسينية.

🔷 أهل البيت (ع) لا يريدون بكاءً وإنما استمرارًا في البكاء، و في القرآن والروايات أدلة كثيرة على مشروعية تواتر البكاء. الآية القرآنية الواضحة في هذا المعنى (وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ). هذا معناه أن بكاء يعقوب على ولي الله كان مرة أو مرتين أو كان متواترًا؟

🔷 يقول الإمام الرضا (ع) : إنَّ يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا.

◼️ البكاء والمضمون العقائدي

🔺هل أنَّ الخطورة في البكاء الحسيني والندبة الحسينية أنهما من المستحبات الفقهية أو أن البكاء الحسيني يرتقي إلى الأبعاد المعرفية والاعتقادية ؟ أيهما أهم فروع الفقه أو أصول العقائد؟ من الواضح أن المعارف هي أعظم وأهم.

🔹 كثيرًا ما نشتبه عندما نريد أن نصنف القضايا والمسائل الشرعية أنها من الأصول والاعتقادات أو أنها من الفروع، فننظر إلى بعد واحد ولا ننظر إلى كل الأبعاد والجهات .

🔺 لو سألنا : الصلاة هل هي من المسائل الاعتقادية أو من الفروع؟

💡 الصلاة حكم فقهي فرعي وهذا صحيح، إلا أننا إذا تأملنا في مضمون ومحتوى الصلاة وجدنا أن الصلاة كلها من أولها إلى آخرها تشتمل على أبعاد معرفية اعتقادية والذي ينظر للصلاة من البُعد الفرعي فقط تفوته قيمة الصلاة العُليا .

▪️ أول الصلاة : الاستقبال والتوجه إلى بيت التوحيد، بُعدٌ اعتقادي.
▪️ التكبير اعتقاد، وما يتلى في القراءة من الحمد وما بعدها اعتقاد، الركوع والسجود وأذكارهما اعتقاد، وهكذا التشهد والتسليم .

💡هكذا الكلام في البكاء على الحسين فهو من جهة قضية فرعية استحبابية مُرغَّب فيها ولكن لو تأملت في محتوى البكاء على الحسين لوجدته محتوى عقائدي.

▪️ القرآن بيَّن أن البكاء على الأولياء يشتمل على بُعد عقائدي، لما اعترض أولاد يعقوب على استمرار بكائه، ولما اعترض بعض المحيطين بالإمام السجاد على تواتر حزنه وبكائه، كان الجواب (قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ) هذا معناه أن من أبعاد البكاء هو أنه عبارة عن شكاية والتجاء وتوسل بالله أن ينصر المظلوم على الظالم. فالتوسل والالتجاء أمور اعتقادية وإذا بكيت بهذا العنوان أنك تلتجأ إلى الله أن يأخذ بظلامة المظلوم فقد أخرجت البكاء من مجرد عبادة فرعية استحبابية إلى بكاء ذي بُعد معرفي.

🔷 عن الإمام الرضا (ع) قال : فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فإن البكاء يحط الذنوب العظام.
هذه المسألة تعرف في علم العقائد بمسألة التكفير.
▪️ التكفير أن يعمل الحسنات فترفع الحسنات السيئات.
▪️ الإحباط أن يعمل المعاصي فترفع الحسنات.

💡علماء الكلام قالوا إن قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) ليس كل حسنة تذهب السيئة وإنما هناك حسنات منصوصة إذا جاء بها الإنسان تُذهب السيئات ومنها البكاء على الحسين.

🔷 قال تعالى : (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ) البكاء على الحسين لما له من أبعاد معرفة واعتقادية هو الذي يحط الذنوب العظام، فنور الطاعة برفع ظلمة المعصية، فالبكاء على الحسين له نور يرفع ظلام المعاصي.

🔺البكاء على الحسين يشتمل على صفة ثورية سياسية جهادية . فبعض أهل الغفلة يقول أن البكاء على الحسين ليس له انعكاس على العمل والواقع وهذا كلام ضحل.

🔹 لو أن ظالمًا مستبدًا تناهى إليه أن مجموعة من المظلومين جلسوا في دار عبادة وصاروا يبكون ويشكون إلى الله. فالآن في عرف السياسة يعتبر هذا العمل مناهضة سياسية وعمل ثوري ينبغي أن يقمع. إلا الذي نفعله في مآتم الحسين هو أسلوب من أساليب رفع الشكوى على الظلامة الحسينية لله والبكاء هو دعوى أن ينتصر المظلوم على الظالم ودعاء بقلب معادلة الانتصار من صالح الظالم إلى صالح المظلوم.

🔹 في بعض البلدان التي يحصل فيها ظلم ترفع تقارير إلى منظمات حقوق الإنسان وهذا عمل ثوري وسياسي محض فنحن نرفع تقريرًا عن ظلامات الحسين باستمرار إلى أعظم محكمة وهي المحكمة الإلهية وأعظم قاض وهو الله عز وجل.

🔺هناك مسألة جدلية طُرحت وهي : هل أن الشعائر الحسينية لا بد أن تنطبع بطابع سياسي أو تجرد من ذلك؟

🔹 البعض استنكر تسييس الشعائر وقال أن ذلك يفقدها صفاءها ورونقها .
🔹 الرأي الآخر قال إذا لم نطبع البكاء والشعائر الحسينية بالطابع السياسي هذا معناه أنها شعائر لا انعكاس لها على الواقع ولا فائدة منها.

💡 الجواب : من طبيعة الشعائر الحسينية أنها ذات إلهام واقعي والبكاء يفعل في القلب ويضخ في الروح انضمام لمسيرة المظلومين ورفض لمسيرة الظالمين، نعم لا نسيس الشعائر الحسينية ونجر هذه الشعائر لصالح حزب وفئة، ولا أن نخلق عصبيات في المجتمع، فهذه سياسة ضيقة مرفوضة.

▪️السياسة الكبرى كما قال غاندي : لقد علمني الحسين كيف أكون مظلومًا فأنتصر فهذا توظيف سياسي في معادلة الظلم والعدل فهذا ليس توظيف حزبي معين يترتب عليه شرذمة المجتمع.

🍁هناك حقيقتان مهمتان في الشعائر الحسينية فهي عبادة ذات بعد اعتقادي وهي عبادة ذات أثر جهادي وسياسي وواقعي فلا تعتبر البكاء على الحسين أمرًا هامشيًا.

شاهد أيضاً

الشيخ جاسم الدمستاني | ذكرى شهادة الامام الحسن المجتبى (ع) | يوم 7 صفر 1444 هـ