آداب الندبة الحسينية
في أول ليلة من ليالي مصاب أهل بيت النبوة، بدأ سماحة الشيخ حسن العالي مجلسه مسلّمًا على رسول الله ناعيًا سيد الأحرار فرخه الشهيد، ثمَّ بدأ محاضرته بقراءة جزء من دعاء الندبة : فَعَلَى الاَْطائِبِ مِنْ اَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِما وَآلِهِما فَلْيَبْكِ الْباكُونَ، وَاِيّاهُمْ فَلْيَنْدُبِ النّادِبُونَ، وَلِمِثْلِهِمْ فَلْتَذْرِفِ الدُّمُوعُ، وَلْيَصْرُخِ الصّارِخُونَ، وَيَضِجَّ الضّاجُّونَ، وَيَعِـجَّ الْعاجُّوَن،”
استهلّ الخطيب الشيخ حسن العالي محاضرته بعد هذه الفقرة من الدعاء بسؤال أساسي وهو هل أنّ الندبة الحسينية بآدابها ورسومها مرهونة بتطور الزمان والمكان؟ أم أنها ثابتةٌ والحفاظ عليها له دَخلٌ في الوصول للأهداف الحسينية من النهضة؟
قام الخطيب الشيخ حسن العالي بتقسيم الناس إلى قسمين منهم الداعي إلى التبديل والتغيير بتغير الزمان والمكان ومنهم الداعي إلى الثبات.
فقال بأنّ البعض اعتبر الندبة وآداب الندبة متحركة ومتغيرة فيمكن أن نحيد عن الأسلوب الأول والأقدم من الندبة وآدابها إلى أشكال متغيرة جديدة فمنهم من قد جرّب الندبة كما سمّاها بالباردة الساكنة الهادئة حيث تُلقى الفاجعة الأليمة بهدوء وسكينة وأن يبدي المستمعون أمامها صمتًا وتفاعلًا باردًا
أما البعض الآخر فقد وضع رأيًا آخر متطرفًا وهو صاحب كتاب القَراءة المنسية حيث قال أنّ الندبة والتعزية ما هي إلا وسيلة ونحن جعلناها هدفًا وبجعلنا لها هدفًا قمنا بقتل الحسين (ع) ثانية وقال في نفس الكتاب نحن بحاجة على التركيز على المسائل وليس التركيز على المصائب فإن التركيز على المصائب والندبة هو مفهوم جديد للتدين
ثم أجاب سماحته على هذا السؤال بإجابة مختصرة إذ قال بأن الاتفاق حاصل على أنّ المطلوب من الإحياء الوصول إلى أهداف النهضة الحسينية ولكنّ الاختلاف يكون في تعريف وفهم هذه الأهداف. فالرأي المتطرف يرى أن الأهداف هي التعاليم التي دعا الحسين لها وينبغي أن نسعى لها منها أن نتعلم السعي إلى العدالة والحقوقية وتهذيب النفس ورفض الظلم ولا نُخطأ هذه الأهداف فهي صحيحة وجميعها من الأهداف الحسينية ولكن في مقدمة هذه الأهداف وقد يكون أعظمها وهو هدف عقائدي ألا وهو الإنشداد القلبي الشديد للإمام المعصوم فقد رأى البعض أنّ أهداف المعصوم أجلّ من المعصوم وهذا خطأ كبير فليست كل أهداف الإمام أعظم من المعصوم فإن كان الهدف التوحيد أو ما شاكله فهو أعظم من المعصوم ولكنّ باقي الأهداف لا تجلّ على ذات المعصوم والانجذاب إلى ذات الإمام حبًا وتعلّقًا تتحقق بالندبة والبكاء والضجيج والعويل لأن هذه وسائل الحب والعشق والإنشداد
ثم قام سماحته بطرح سؤال آخر حيث قال هل أنّ العناوين الستة الموجودة في الدعاء وهي البكاء وذرف الدموع والصراخ والضجيج والندبة والعجيج في مصائب الحسين (ع) متغيرة ومتحركة أم ثابتة؟
ثم أثار عدة نقاط للإجابة على هذا السؤال:
1- الندبة البيانية التي وردة عن الإمام الصادق (ع) فلم يكتفي أهل البيت بتعليم الناس الندبة بالقول فقط بل أنهم وضعوها في قوالب بيانية عملية فمنها الرواية في كمال الدين وتمام النعمة للصدوق عن سدير قال: دخلت أنا والمفضل ابن عمر وأبو بصير وأبان على الإمام الصادق (ع) فوجدناه جالسًا على التراب عليه مسحٌ خيبريٌ لا جيب فيه (أي غير مشقوق الجيب) مقصّر الكُمَّين يبكي بكاء الوالد الثكلى وهو يقول: سيدي غيبتك نفت رقادي ، وهذه ندبة من الإمام الصادق (ع) لولده الإمام الحجّة (عجل) يقول سدير: فستطارت لذلك عقولنا وقلنا له من أي حادثةٍ تستمطر دمعتك وتستنزف عبرتك وأي حادثة أوجبت هذا المأتم؟
قال سماحته بأنّ لهذه الرواية فوائد عدة منها:
1- أن التلامذة الخاصين بالإمام الصادق (ع) وصفوا حاله بالمأتم أي أنه في تعزية.
2- أن الإمام كان ملتزمًا بآداب ومراسيم في تلك التعزية منها أنه كان جالسًا على الأرض ولابسًا لباس التعزية ويبكي البكاء الشديد.
3- أن الإمام الصادق (ع) كان يخاطب مفقوده ومعشوقه خطاب الحي إلى الحي فلم تكن تعزية الحي إلى الميت بل كان يستشعر وجود المفقود منه
وفي هذا السياق أضاف سماحته سؤالًا وهو أن الإمام الحجة (عجل) بعد لم يولد فكيف يندبه ويخاطبه خطاب الأحياء؟ فقد وجب علينا أن نندب الحسين (ع) ندبة حيٍ إلى حي فأنت لا تتفاعل مع قضية الغائب كالحاضر فللأئمة أرواحًا عالية والأرواح خلقت قبل الأبدان فالإمام الصادق كان يخاطب حقيقة الإمام لا جسده.
4- أن الإمام قام بآداب مستمرة دائمة في وجوده لا مرة أو اثنتين من قوله “غيبتك نفت رقادي”
ويتبين لنا من هذه الرواية أن آداب الندبة ليست مستحدثة ولا مبتكرة من الناس بل أخذناها من أئمة أهل البيت فلا يمكن لشخصٍ أن ينفيها أو يبدلها كما يريد ويهوى، وعلينا التحسس من أيّ شيءٍ قد يعيق التعزية
2- ندبة الكائنات: ذكر سماحته حادثة حنين الجذع المعترف بها عند المذهبين وهي أن رسول كان إذا خطب في المسلمين يستند على جذع يابس فأشاروا عليه بإقامة منبر فلما تمّ المنبر هجر الجذع فعندما مرّ يوم الجمعة ومرّ الرسول (ص) على الجذع وتجاوزه ووصل إلى المنبر وجلس عليه حنَّ الجذع حنينًا عاليًا فنزل الرسول ومسح عليه حتى توقف حنينه وأنينه ثم صعد على المنبر وقال: هذا جذع حنّ لرسول الله (ص) ويبكي لفراقه وبعض عباد الله لا يبالي قرب رسول الله وبعده. ومن هذه الرواية قال بعض المفسرين لزيارة الحسين (ع) إذا كان هذا الجذع اليابس يحنُّ لفراق الرسول حتى المنبر أوليس قتل الحسين أعظم من ذالك فكيف تقبلون حنين الجذع وتستعظمون بكاء السماء والأنهار والأشجار عليه السلام. فإن كان للكائنات أحياؤها وأمواتها لهم ندبة للحسين (ع) فيجب علينا الثبات على ندبتنا لأئمتنا لأن تغييرها وتبديلها يكون خلاف الفطرة
3- ما هو الأداء المطلوب في إحياء المصيبة في مأتم الحسين؟ هل أن الأداء المطلوب يتحقق بالتفكر والتعقل فقط أم يجب أن يضاف إليه التذوّق؟ أجاب سماحته على هذا السؤال بعدم الخلاف على أنّ الأداء الصحيح للإحياء يتطلب إحياء فكري وتعقلي لكن الإختلاف هو أن الإحياء الكامل يحتاج إلى أمر آخر غير التفكر والتعقل وهو المعايشة العملية للمصيبة الحسينية وهو نفسه تذوّق المصيبة فيجب عليك تحريك العقل الذي يقوم بالتعقل ويجب عليك تحريك القلب الذي يقوم بالتذوّق وهذا يمكن أخذ مثاله من الآية الكريمة في سورة الجمعة: (مثل الذين حمّلوا التورات ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا) فهم فهموا التوراة لكنهم لم يعيشوا ويتذوقوا لذّته. فالإحياء الكامل يحتاج إلى الفكر والدمعة الخالصة من المشاعر.
ثم ختم الخطيب الشيخ حسن العالي مجلسه بأهمية الجمع بين العقل والقلب ثم نعى الإمام الحسين عليه السلام.
حسينية أبو صيبع