دور الإمامة الغائبة في منع الفساد البشري
بـسـم الله الرحـمـن الرحـيم
افتتح سماحة الشيخ حسن العالي مجلسه بمقطع من دعاء الندبة : ( بنفسي أنت من غائب لم يخل منا بنفسي أنت من نازح ما نزح عنا )
ثم طرح سؤال البحث الذي يتداوله المخالفون على الشيعة وهو: لماذا يصمت الإمام المهدي (عج) عن كل الفساد الذي يستشري في الوجود إذا كان إمامًا فعليًا حاضرًا وموجودًا؟ وفي ضوئه نقل عبارة طرحها ابن تيمية وهي أن هذا الإمام الذي يعتقد به الشيعة مفقود فلا فائدة منه دنيًا وآخرة.
ثم بيّن أن هذا السؤال هو نفس سؤال الملائكة على الله عن خلق الخليفة ( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ )، وسؤالهم نابع من أن وجود الخليفة يحتم وجود الخليقة وهم الناس الذين يستخلف الخليفة عليهم وجودهم ينطوي على النوازع البشرية التي ستودي بالبشرية إلى الفساد والظلم.
ثم قسّم الفساد إلى نوعين :
– الفساد الأقلي: وهو انتشار الفساد في أقل الناس كانتشاره في ربع البشر أو ثلثهم.
– الفساد الأكثري: وهو الفساد الذي يقوّض أكثر البشر كثلثي البشر
بعدها بيّن أن اعتراض الملائكة ناشئ من اعتقادهم أن الفساد أكثري فلماذا يخلق الله الخليفة والبشر؟ وكان جواب الله عليهم أن وجود الخليفة سيمنع الفساد الأكثري وسيترتب عليه الخير الأكثري. وفي هذا السياق يمكن الإجابة على سؤال البحث، فإذا كان وجود الإمام في وضع يمنع فيه الفساد الأكثري فالإشكال ساقط كما سقط تساؤل الملائكة على الله.
ثم أوضح أن وجود الإمام الغائب له دور خفي في منع انتشار الفساد الأكثري، فتساءل الشيخ من بيده المقدرات العسكرية الهائلة في عالمنا المعاصر غير أكثر الناس مزاجية وشهوانية، فما الذي يمنعهم عن إبادة البشرية ونشر الفساد الأكثري، ذلك يحتم وجود هذا الجهاز الغيبي الذي يمنع وقوع هذا الفساد والكوارث، فانتهى إلى أن الإمام يمنع في الخفاء وقوع هذه الكوارث وإن أصبح هذا الدور غير عامل في الخفاء فلابد أن يتحول هذا إلى جهاز علنيٍّ.
بعد ذلك بيّن الشيخ دليلاً قرآنيا على وجود هذا الدور الغيبي الخفي في حفظ البشرية وهو العالم الذي صحبه موسى وهو الخضر، وحصر الأدوار في ثلاثة أدوار :
– الأول : منع الفساد الاقتصادي عن الانتشار، كما ورد في الآية الشريفة : ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا )، فبيّن أن هذا الجهاز الغيبي يمنع شهوة الظلم في الحكم الجائر من استرسالها في إبادة البشرية ونشر الفساد الأكثري فيوقفها عند حدها.
– الثاني : حفظ البشرية عقائديًا، كما ورد في الآية 🙁 وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا )،فأشار إلى أنه قد يخطر في ذهن أنها قضية شخصية ولكن الرواية بيّنت أن هذا الغلام لو بقى حيا لأفسد في عقائد الأمة، حيث قالت: (إن الغلام الذي قتله العالم كان لأبوين مؤمنين فأبلدها الله بجارية أنجبت سبعين نبيا)، فانتهى إلى أن هذا دور عام وعظيم في حفظ الأمة عقائديًا
– الثالث : حفظ أموال الطبقة المحرومة.
فانتهى العالي إلى بطلان كلام ابن تيمية فالإمام حاضر وله دور غيبيّ عظيم في حفظ الأمة، وإنما تطرح هذه الشبهات لبعدنا عن القرآن كما أفادت الرواية عن الإمام الباقر (ع) : يا مفضل لو أن شيعتنا تدبروا في القرآن لما شكوا في فضلنا. كما وأشار إلى أن الخضر عبدا وليس رسولا أو نبيا وكان له هذا الدور العظيم، ثم استنكر العالي هل ضرّ الخضر مجهوليته عند الناس أم لم يضره، فبيّن أن علنية مواقفه قد تضرّه.
ثم أوضح أن عظم الفتنة في ظهوره أشد من الفتنة في غيبته وليس كما يظن الكثير من الناس، وذلك لكثرة المواقف التي لا يظهر منها وجه الحكمة بوضوح، فقد كان موسى نبيا من أولي العزم ولم يستطع الصبر وكان يعترض في كل موقف، والفتنة العقائدية بظهوره عظيمة.
أكمل خلاصته بحثه فأن شدّد على ضرورة التأهب لظهوره الشريف بالتمعن في القرآن الكريم وفي أدوار الأنبياء، وعدم الإفراط وعدم التفريط فلا يصحّ أن يدعي أحد لقاء الإمام والأخذ منه الأحكام والتشريعات فقد أرجعنا أهل البيت إلى الفقهاء والعلماء، كما ولا يصح أن يدعي أحد عدم وجود فائدة من وجوه المبارك.
حسينية أبو صيبع