برهان الأخلاق في النهضة الحسينية
في الليلةِ التّاسعة من شهر محرّم الحرام لعام 1440 هـ، ارتقى منبرَ مأتم السّنابس الخطيب الشّيخ حسن العالي، بادِئًا مجلِسَه ناعيًا لشبابِ عليّ بن الحسين الأكبر (عليهما السّلام)، ثمَّ قرأ روايةً من كامل الزّيارات ومسند أحمد وغيرهما عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): *”حسينُ منّي وأنا من حسين، أحبَّ اللهُ مَنْ أحبَّ حُسينًا”*، ليبدأ محاضرةً بعنوان: *برهان الأخلاق في النهضة الحسينية* وقال إنّه لو لم يكن غير هذه الرواية في شأن الحسين (عليه السّلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لكانت لوحدها كافيةً للدّلالة على مكانةِ وعظمةِ الذاتِ الحسينيّةِ والحدثِ الحسينيِّ وعلى والواجباتِ الملقاة على الأمةِ تِجاه ذلك الحدث، وقد صحّحها كل علماء الحديث من المسلمين..
*الروايات الصحيحة لها شاهد قرآني:*
هذه الرواية متطابقة مع القرآن وهو أهم مسلك تُصحَّحُ به الروايات؛ فالروايات المصحَّحَة بالقرآن تكون صحيحةً، الرواية تدل على أنّ المشروع الحسينيّ مُصادَقٌ عليه بختم النبوة، وأنّ معركة كربلاء كأنَّ القائمَ بها هو رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله)، فهي معركة من معارك النبي (صلّى الله عليه وآله)؛ لأن من قام بها رجلٌ منه.
*فأين نجد هذه الرواية في القرآن؟*
نجد ذلك في قوله تعالى: (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) أي أنَّ الموافِقَ للنبي أشدَّ الموافقة روحًا وقلبًا ومعنًى ونورًا يكون من النبي، أي أنّ الحسين (عليه السّلام) متّحدٌ مع النبي.
وأكثر الروايات التي تحدّثت عن النسبة المعصومية بين النبي وأهله كانت لفظّة (منّي) عنصرًا فيها، ومثال ذلك قول الرّسول (صلى الله عليه وآله) في ابنته الزّهراء (عليها السّلام): “فاطمة بضعة منّي”، وكذلك في أمير المؤمنين (عليه السّلام): “لا يبلّغ عنك إلا أنت أو رجل منك”، وورد في الإمام الحسن (عليه السّلام): “هذا منّي”، فلو أعمل المسلمون عدسة الرواية والدراية لوجدوا أن أكثر المقامات المتنازع عليها مع الشيعة تثبت من خلال هذه الرواية.
ثمّ استشهد الشّيخ العالي بقول القاضي عياض في معنى الرواية بعد أن سلّط عدسة الدراية بعض التسليط: قال: الرواية تدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) رأى بنور النبوة ما سيحصل بين الحسين (عليه السّلام) وبني وأمية، فبيّن أنّه منه وأنهما واحد، فمحبة الحسين (عليه السّلام) واجبة وحرمة التعرض لقتاله كحرمة التعرض لقتال النبي (صلى الله عليه وآله).
ثمّ انتقلَ إلى سؤالٍ إشكاليّ يقول: *أيَّ حسين نتَّبع؟*
وأجاب: أراد الرسول (صلى الله عليه وآله) أن نرتبط بالحسين ارتباطًا قلبيًّا ونفسيًّا وعقليًّا وجسديًّا، فالمعرفة لوحدها لا تتحول إلى اتّباع؛ بل لا بد أن تتوسّط المحبة بعد المعرفة حتى تتحول إلى تبعيّة، وهذا مرتَّبٌ بحسب ترتيب وجود الإنسان، عقل فنفس فبدن، فالعقل يعرف، ثمّ تميل النفس، فيتحرك البدن، وهكذا نحن نتحرك نحو الحسين بثلاثة أمور:
1- الارتباط العقليّ.
2- الارتباط النفسيّ.
3- ثمّ نتحرك نحوه بدنيًّا.
فأيَّ حسينٍ نتبع؟ هل عندنا أكثر من حسين حتى نسأل هذا السؤال؟
وقال إنّ هذه جدلية طُرِحَت في أروقة المثقفين وكثير من روّاد المآتم، وهي أنّ الخطباء والمحاضرين في الحسين صوّروا لنا حسينًا بألوان مختلفة، ونحن لا ندري أيّ حسين نتّبع؛ هل نتّبع الرجل العسكريّ الّذي كلّما زادت عليه الحرب زاد صمودًا، أم نتّبع الحسين الباكي والمتأثر الّذي بكى كثيرا في كربلاء، أم نتّبع الحسين الّذي استجدى الماء لنفسه ولطفله من أعدائه؟
وطرح سؤالًا يقول: من أين صدرت هذه الجدلية، ما الّذي أدى لهذا السؤال؟
ثمّ أجاب: أنَّ قصور الرؤية هو ما أدّى إلى هذا السؤال، فاختصار الحسين في زاوية تجعلك ترفض باقي الزوايا؛ ففهمك للحسين بأنه رجل سياسة من الدرجة الأولى أو أنّه رجلٌ عسكرّيٌ عسكريًّا فسترى أنّ البكاء والتأثر والعاطفة خلاف سياق الرجل العسكري والسّياسيّ، وهكذا أيّ بعد تفسّر فيه الحسين سينتج عنه إشكالات تخصّ بعدًا آخر.
*فكيف نحلّ هذه الجدلية؟*
ينبغي قراءة الحسين (عليه السّلام) على أنّه لوحة كاملة لها أبعاد وألوان مختلفة ولكن بينها تمام الانسجام وتمام التوازن، ونحن إذا قرأنا كربلاء قراءة متوازنة شاملة سنجد أنّ كل الأبعاد تمثّل حسينا واحدا، فالبعد العسكري يُدار بحسٍّ عسكريّ، والبعد العرفاني يُدار بحسٍّ عرفانيّ فقد أدى الحسين الصلاة والسهام تتخاطف عليه، والبعد المصائبيّ يُدارُ بحسٍّ إنسانيٍّ عاطفيّ، والبعد الأخلاقيّ يُدار بالحسّ الأخلاقيّ.
ثمَّ انتقَلَ إلى *بعض مشاهد الأخلاق في كربلاء* قائلًا: إنّه من مسئوليات الحسين (عليه السّلام) أن يكون مرشدًا للأمة، فكان طلبُ الماء للرضيع أو لنفسه نوعًا من إقامة الحجّة والإرشاد والتبليغ، فلا يقول أحدٌ منهم إن طفلًا من أطفال الحسين على مشارف الموت، وطلبه للماء ليقيم عليهم حجّة عطشِه، فهو قد استخدم كلّ وسائل الدعوة في كربلاء، (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، فالحكمة نور العقل، والموعظة الحسنة هي الأخلاق والجدال هو الحجة والإسكات، والحسين أدار كربلاء بأسلوب المظلوميّة، التي يفسّرها البعض على أنّها انكسار أو ذلّة، وهذا يجرُّنا إلى الحديث عن المظلوميّة الحسينيّة.
*المظلوميّة الحسينيّة قدوة للمنظومات الحقوقيّة*
الإمام الحسين (عليه السّلام) كان يحاربهم في مظلوميّته محاربةً أخلاقيّة، وإذا ترجمنا هذه المظلوميّة باللغة العصريّة، نقول: لماذا طلب الحسين (عليه السّلام) الماء لطفله وهو أبيّ الضيم؟ هذا بلغة عصريّة من المطالبة بحقوق الطفل في الحياة، فلمّا طالب بالماء كان يريد أن يقول للبشرية أنّ هذه القمة من الطهر كانت تواجه بأي ذئاب بشرية..
ثمّ طرح سؤالًا: هل يعترض أحد على عمل المنظمات الحقوقيّة، وعلى مطالب هذه المنظّمات؟
تطالب المنظّمات بحقوق الأطفال وبحقوق الجوعى وبإبعاد الحرب عن المدنيين والحد من التسلّح، وتصرخ بالظلامة عاليًا، إذن، تبيَّن أن تظلّم الحسين شعارٌ عصريٌّ، فرفع المظلوميّة هو رفعٌ لمشاهد الأخلاق المؤلمة، وهو عمل المنظمات الحقوقيّة لتدعو الناس للأخلاق وتنفّرهم من المضاد للأخلاق.
وكلّ كربلاء فيها صورٌ من المظلوميّات ما يحتاج إلى قراءةٍ فاحصة من جديد، ولا يمكن للبشريّة أن تستنفد مواقف كربلاء، لذلك يجب أن نقرأ الحسين وكربلاء قراءة جديدة، ومن ذلك كيفيّة استشهاد الشهداء في كربلاء، فما معنى أن يتسابق الشهداء للموت وما معنى استماتتهم في فداء الحسين، إذ إنّهم يريدون أن يوصلوا أنَّ هذا الفداء كان عن عقيدة، وهكذا كان عليٌّ الأكبر في فدائِه لأبيه الحسين (عليه السّلام).
ثمَّ أتبَعَ محاضرتَه بالنّواعي المفجعة للشّهيدِ عليّ بن الحسين الأكبر.
حسينية أبو صيبع